عيسى الشعيبي

مغزى السابقة التركية إزاء إسرائيل

تم نشره في الثلاثاء 6 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

لا تحتفظ الذاكرة بواقعة طرد سفير إسرائيلي مماثلة للواقعة التركية المدوية، سوى تلك السابقة التاريخية التي سجلت حالات طرد شبه جماعية لسفراء إسرائيليين من معظم الدول الاشتراكية بعد حرب 1967، وأخرى مشابهة من بعض الدول الأفريقية الفقيرة غداة حرب أكتوبر 1973، حين بدا العالم العربي آنذاك في لحظة تعاظم فارقة، كانت مع الأسف مجرد لحظة عابرة، تضافر على تحقيقها كل من الانتصار العسكري النسبي على إسرائيل، وفورة الفوائض المالية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط.
غير أن الواقعة التركية التي طال انتظارها، لا تقاس بأي من الوقائع المناظرة لها، بما في ذلك حالة طرد السفير الإسرائيلي من عاصمة هوغو تشافيز الفنزويلية، ولا يدانيها في الأهمية إلا حالة قطع العلاقات الدبلوماسية الإيرانية مع الدولة العبرية، فور انتصار ثورة الإمام الراحل آية الله الخميني العام 1979، الأمر الذي يرفع من قيمة الخطوة التركية هذه، ويزيد من أهمية دلالاتها الرمزية، ويضاعف من تداعياتها المحتملة، ليس فقط في الإطار الثنائي المغلق بين أنقرة وتل أبيب، وإنما أيضاً في المدى الإقليمي الأوسع مجالاً.
ولعل الأهمية الاستثنائية لحزمة العقوبات التركية غير المفاجئة، تنبع من الوزن بداية، ومن تعاظم الدور الإقليمي لتركيا في هذه المرحلة المفعمة بفيض من المتغيرات العميقة، سواء أكان ذلك على صعيد الداخل التركي الذي بات تحت سيطرة لا تنازع من جانب الجيش، أو كان ذلك على صعيد الجوار الجنوبي، المنتفض على واقع استبدادي مديد، والمتطلع إلى نموذج تركي باذخ بالتغيير الديمقراطي، والتنمية المستدامة، وقوة الاعتدال، والانفتاح على عالم عربي راغب في استلهام هذا المثال المرحب به على أوسع نطاق.
ذلك أن هذه البادرة التي قلما تقدم عليها دولة ديمقراطية مثل تركيا الحديثة، إلا في حالة الحرب، تعتبر بمثابة إعلان صاخب عن ميلاد دولة ذات دور إقليمي مقرر في هذه المنطقة التي كانت بمثابة ملعب واسع كان حكراً على الغرب عموماً، وأميركا على وجه الخصوص، ناهيك عن وكلاء محليين تعاقبوا على أداء وظائفهم الجزئية المحددة، من إيران الشاهنشاهية، إلى تركيا الأطلسية، ناهيك عن الوكيل الإسرائيلي ذي الوكالة الحصرية المستمرة في القيام، أصالة عن نفسه ونيابة عن مرضعته وراء البحار، بوظائف الهيمنة والاحتواء والفرض والإملاء.
وهكذا، فإن خطوة طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة، تعد أكثر من خطوة دبلوماسية تركية أملاها النزق السياسي أو الصدمة إزاء تقرير لجنة تحقيق دولية جاء مخيباً للآمال، إن لم نقل إنها خطاب مفتوح موجه إلى عدة أطراف ليس أهمها إسرائيل على الإطلاق، لعل في مقدمتها الطرف العربي الباحث عن معادل موضوعي يوازن فيه كلا من التغول الإسرائيلي من جهة أولى، واستشراء النفوذ الإيراني من جهة ثانية، وتمادي الولايات المتحدة في انجرافها وراء مصالح حليفها الاستراتيجي في المنطقة.
وليس من شك في أن هذه الانعطافة الكبيرة في الموقف التركي إزاء إسرائيل، وقعت أحسن الوقع على أسماع الشعوب العربية المتلهفة إلى رؤية موقف عربي شجاع من زمن جمال عبدالناصر الجميل، أو موقف دبلوماسي إسلامي هجومي من عهد رجب طيب أردوغان النبيل، الأمر الذي من شأنه أن يفتح أبواباً أوسع من ذي قبل لبناء علاقات عربية-تركية أعمق وأرحب مما كانت عليه في مرحلة العبور من باب سوري ضيق، جاءت التطورات الراهنة وما واكبها من خيبات أمل تركية معلنة، لتقلب رأساً على عقب كل الرهانات التي سبق أن علّق عليها الأتراك حساباتهم الإقليمية.
وإذا كانت سلسلة التدابير التركية المتخذة هذه فاتحة لمرحلة من سياسة تأزيم منهجي لعلاقات ثنائية شاذة، أوجدتها الضغائن التاريخية الموروثة من العهد العثماني، وغذتها الحسابات القديمة وأوهام الجنرالات، واستمرت على سجيتها الأولى حتى بعد أن تبدلت سائر المعطيات، فإن من المرجح تماماً أن تستقطب حكومة حزب العدالة والتنمية عواطف شعبية عربية مثخنة بمشاعر الاستلاب، وأن تحصد تأييداً رسمياً متنامياً من جانب الدول والحكومات العربية التي لم تصب بداء الارتياب، وهي ترى دولة في وزن تركيا تواصل حضورها الإيجابي الفاعل بدون تعال أو أجندات خاصة، وذلك على عكس ما بدت عليه الاختراقات الإيرانية على سبيل المثال.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الطفل المدلل الذى ينجو من العقاب ياستمرار (د.هاني عبد الحميد)

    الثلاثاء 6 أيلول / سبتمبر 2011.
    كل هذه الضجة من اجل 9 شهداء اتراك قضوا على منابر الحرية والكرامة علما بان الدولة العثمانية قدمت عشرات الاوف من الشهداء اثنا الحرب الكونية الاولى شرقي السويس وعلى سهول بيسان والتي على اثرها دخل الجنرال اللنبي وفرقته المشئومة مدينة القدس توطئة لانشاء الدولة المسخ.
    والسؤال الاهم الآن هو ماذا نحن فاعلون تجاه شهدائنا الذين يعدون بمئات الالوف منذ يدء النكبة والدماء الزكية التى لا تزال تسيل بشكل شبه يومي تحقيقا للحلم الصهينى وهل سنترك لهم جريمة افشال الحلم الفلسطينى بتطبيق قرارات الامم المتحدة تمر بدون عقاب هذه المرة ايضا. لا أظن ان هذا يليق بنا كامة تريد الالتحاق بركب الحرية والكرامة فى القرن 21.