د.أحمد جميل عزم

"194"

تم نشره في الثلاثاء 6 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 6 أيلول / سبتمبر 2011. 02:02 مـساءً

كتبت مقالا قبل أسابيع بعنوان "هل تحل الدولة الفلسطينية القضية؟"، وتناولت موضوعي اللاجئين وفلسطينيي 1948 وكيف أنّ مشروع الدولة قد لا يحلهما. مؤخرا أثارت جدلا كبيرا النصيحة القانونية التي أعلنها الأستاذ البريطاني في جامعة أوكسفورد غاي غودوين، ويحذر فيها من إمكانية تراجع المكانة التمثيلية للفلسطينيين في الأمم المتحدة، وضياع حقوق أساسية لهم، بسبب طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود العام 1967.
نصيحة غودوين مهمة ولكنها ليست دقيقة بالضرورة. المشكلة كما أوضحتها في مقالي المشار له، سياسية، وليست قانونية، إلا إذا صيغ طلب العضوية بشكل خاطئ. 
تمتلك أي دولة حق تعريف قواعد اكتساب المواطنة فيها، بينما سحب المواطنة يخضع لقواعد دولية تقيّدها. ويمكن للدولة الفلسطينية المعلنة أن تعتبر كل فلسطيني مواطنا فيها وبذلك تكون قوتها التمثيلية واسعة وربما مكتملة. بل إن النص الفضفاض للدولة المعلنة العام 1988، والإشارة إلى أنّ "الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم يصبحون بشكل تلقائي مواطنين في دولة فلسطين"، قد تعني أن الفلسطينيين داخل أراضي العام 1948 هم مواطنون في هذه الدولة، وهذا قد يستغل من قوى إسرائيلية لتبرير دعوات طردهم والتطهير العرقي. مع أن صيغة سياسية خلاقة قد تضمن حقوق هؤلاء في موطنهم الأصلي مع علاقة قومية وثيقة مع باقي الفلسطينيين. 
ما قد يثير مخاوف مبررة هو استخدام موضوع تعيين حدود الدولة لتبرير تقويض حق العودة، وحصره بأراضي الدولة، وإنكاره إلى مناطق 1948. وهذا يمكن تجاوزه في صياغة القرار، بما يؤكد حق العودة، ويحفظ مكانة منظمة التحرير الفلسطينية. ومن الضروري أخذ تحذيرات غودوين بإيجابية أثناء الصياغة للتأكد من ذلك. ولعل مصادفة أنّ الدولة الفلسطينية لو أعلنت الآن ستكون الدولة 194 في الأمم المتحدة، وإبراز هذا الرقم في الحملة الفلسطينية الرسمية، وحقيقة أن قرار عودة اللاجئين الأممي رقمه 194، دليل عدم إمكانية إغفال هذا الشأن.
المشكلة التي قد تمس موضوع اللاجئين وفلسطينيي 48، سياسية تتعلق ببرنامج العمل الفلسطيني، وبحيوية وفاعلية الحركة السياسية الوطنية الفلسطينية. لقد استولى مشروع الدولة والسلطة في الضفة والقطاع على تركيز القيادة الفلسطينية طويلا، على حساب منظمة التحرير والشتات فتم إهمال هذه لصالح مؤسسات السلطة. هذا فضلا عن الإهمال التاريخي لبرنامج عمل وطني يتعلق بفلسطين 1948.
لقد كان المعتقد أنّ الدولة الفلسطينية ستنشأ وتحل مشكلة الشتات بعودة أعداد كبيرة من الفلسطينيين إليها، وحصول من قد يبقون في الخارج على مواطنتها، وإن بقي موضوع عودة اللاجئين إلى فلسطين 48 غامضا. والآن فإنّ الدولة تبدو بعيدة، ولا يتوقع أن يكون للاعتراف في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حتى لو حصل، أثر مباشر ملموس على حياة الفلسطينيين، وأي أثر تدريجي سيمس إلى حين على الأقل، حياة الساكنين في الضفة والقطاع فقط، وهذا يجعل الدولة مجرد محطة في نضال سياسي مديد. ولكنها قد تكون محطة مهمة إذا وضعت في إطار برنامج وطني شامل.
ما يثير التفاؤل الحذر وجود نضج يمكن تلمسه في المواقف السياسية، ومن الأمثلة هناك المعارضة الناعمة أو التأييد الصامت لدى كل من "حماس" و"الجهاد" لموضوع الدولة والأمم المتحدة، والتغير الإيجابي في رؤيتهما لطريقة توظيف بندقية المقاومة، وتزايد الأصوات في "فتح" لمقاومة شعبية فاعلة، ما قد يُبنى عليه إيجابيا لصياغة برنامج عمل وطني سياسي جامع مدعوم بكافة أشكال المقاومة، يفعّل الشتات، ولا يهمل مخاوف ومصالح وحقوق فلسطينيي 48.

التعليق