أبو أمل استنشق الربيع العربي ومات

تم نشره في الأحد 4 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

في العام 1993، وعلى متن باخرة بولندية (5 star) مستأجرة من قبل النظام الليبي السابق، انتقلنا من مالطا إلى طرابلس في رحلة استغرقت حوالي 12 ساعة، تعرفت فيها على عبدالرحمن النعيمي على طاولة ضمّت الشهيد أبو علي مصطفى، وعزمي الخواجا، وتيسير الزبري، حيث تبادلنا الحديث، وعرفت يومها أن أبو خالد أو أبو أمل أو سعيد سيف أو المهندس عبدالرحمن النعيمي كلها أسماء لرجل واحد.
ذهبنا عدة مرات إلى طرابلس الغرب للمشاركة في ملتقى الحوار العربي الثوري الديمقراطي، الذي كان يسمسر عليه الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، وتطرب شعاراته العقيد المخلوع الذي كان محج معظم المناضلين العرب في الفترة التي حاصرته فيها القوات الأميركية. وكنت في كل مرة أتعرف أكثر على أبو أمل، وأعشق الهدوء والرزانة التي يتمتع بها.
كان معظم وقته صامتاً، يستمع أكثر مما يتكلم، لكن إذا تكلم تستمع إلى مفكر أممي مؤمن كل الإيمان بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات.
حاورته في حديث طويل نشر حينها في صحيفتي "الأهالي" الأردنية و"الأهالي" المصرية بالتزامن، وكان حواراً مفعماً بالفكر، نادى فيه بالإصلاح السياسي في عموم الدول العربية.
ورغم أن للنعيمي ابنين، خالد ووليد، فإنه كان يصر على كنيته أبو أمل، لأنها كانت مولودته الأولى، ولم تكن لديه نزعة ذكورية، لذلك حتى بعد مقدم ابنه خالد لم يكن يرتاح إلا أن تتم تسميته باسم ابنته الكبرى.
النعيمي المعروف بتواضعه الشديد غادر البحرين في نهاية العام 1968 بعد أن كان قد التحق بالعمل السياسي منذ العام 1961، وانضم إلى حركة القوميين العرب في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي، وبعد أن عاد إلى بلاده في العام 2000 بعد التصويت على ميثاق العمل الوطني قاد عملية تأسيس جمعية وطنية تضم جميع أطياف التيار القومي والتقدمي في البحرين، وأصبح أول أمين عام لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) في تشرين الأول (أكتوبر) العام 2001.
تنقل أبو أمل بين عدة بلدان قبل أن يستقر في سورية، وبقي فيها من العام 1973 إلى أن عاد إلى البحرين في العام 2000، ولكنه خلال بقائه في سورية كان يتنقل بين منطقة وأخرى خارجها، وكان يذهب إلى مناطق خطرة، وأثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، كان أبو أمل في دمشق، وطلب من الجبهة الشعبية الذهاب إلى البقاع التي كانت تتعرض للقصف بالطيران.
كان على معرفة وثيقة بكل المناضلين العرب، وله في الأردن صداقات عديدة، توطدت من خلال المؤتمرات التي كان يشارك فيها، فقد أحب عمّان وأحب من فيها، لهذا كثرت زياراته إلى الأردن.
ترشح للانتخابات النيابية لمجلس الشورى البحريني في العام 2006، ودخل الدور الثاني، وحين رشح نفسه لها دعاه البعض للعدول عن الترشح خوفاً من عدم نجاحه في الانتخابات، وخصوصاً أنه شخصية سياسية قيادية، ولكنه رد عليهم حينها: "ليس من المهم أن أنجح أو أسقط، وإنما المهم أن أصل للناس، وإذا كان الناس لا يريدونني فلا مشكلة".
يوم الخميس الماضي ترجّل هذا الفارس وغيّبه الموت، بعد صراع طويل مع المرض، وفي لحظة الفاجعة بخبر وفاة الصديق الكبير تداعت في ذاكرتي عدة صور كان منها حوار دار بيني وبين المفكر الكويتي الصديق الدكتور محمد الرميحي (أطال الله عمره) حول كتابه "الخليج ليس نفطاً"، وهو دراسة في إشكالية التنمية والوحدة، حيث أراد أن يؤكد أن الخليج كان موجوداً قبل النفط، وسيظل موجوداً بعده، وأن اكتشاف النفط ما هو إلا مرحلة من مراحل حياة الخليج يجب استغلالها جيداً.
غياب أبو أمل جاء مع نسمات الربيع العربي العليلة، وبعد أن استنشق هواء الحرية الذي حلم به طيلة سنوات عمره، تاركاً إرثاً نضالياً يقدّره كل المخلصين، ومعرفة علمية لخصها في العديد من المقالات والدراسات بشأن الأوضاع المحلية والقومية.
أبو أمل عليك الرحمة وما بدلت تبديلا، والعزاء لرفاقك وإصدقائك الكثر، وإلى الصابرة أم امل والصحفية أمل والمهندس خالد وخبير الموارد البشرية وليد والطبيبة سلوى وأستاذة الإرشاد النفسي عائشة.

التعليق