د.باسم الطويسي

النخب الأردنية وأزمة فقدان الوزن

تم نشره في السبت 3 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

كشفت مجموعة المتغيرات والتحولات التي شهدها الأردن والإقليم هذا العام عن حجم أزمة النخبة الأردنية، بشقيها الرسمي والأهلي. برز ذلك بوضوح في تكوين النخب الفكري والأيديولوجي، والذي يبدو في العجز عن المساهمة في بناء خطاب فكري مستقل ومتماسك للدولة الوطنية، والضعف السياسي والتنظيمي في إعادة تعريف وبلورة المصالح العليا للدولة والمجتمع، وأخيرا الضعف في تشكيل النخب وقدرة المجتمع والدولة على تجديد دمائها.
ما شهده الأردن هذا العام يصلح أن يكون بيئة لاختبار قوة النخب التي تسيطر على صناعة القرار وعلى المجال العام في المجتمع؛ تكفي مراجعة بعض الوقائع والأحداث لاستنتاج الخلاصات، ومنها قدرة النخب بشقيها على صياغة رؤية واضحة للإصلاح والتماسك خلفها والدفاع عنها. لقد فعلت ذلك في لجنة الحوار الوطني، لكن تلك النخب عاجزة اليوم عن الدفاع عن تلك الرؤية أو حتى تذكرها بعد مرور أقل من ثلاثة أشهر على صياغتها، فيما يبدو أن تلك الرؤية التوافقية التي صيغت في لحظة تاريخية حرجة في طريقها إلى الإهمال، وهو الحال الذي يتكرر في التعامل مع ملفات الفساد ودور تلك النخب فيها، واستعدادها للفساد أو الإفساد. ولعل مراجعة دراما قضية الكازينو توضح هشاشة تكوين طيف ليس بالقليل من تلك النخب، واستعدادها للفساد والإفساد.
ثمة أدوات ومحطات واضحة يمكن من خلال رصد تحولاتها اكتشاف بعض ملامح حالة فقدان الوزن التي تشهدها هذه النخب. تاريخيا، ساهمت مؤسسات نظامية وغير نظامية في تكوين النخب الأردنية، ومدت النظام بموارده البشرية الأساسية. وجميع هذه المصادر تعرضت خلال العقد الماضي إلى تهشيم وتهميش منظم أو شبه منظم. ويبدو أن جذور مقولات القانون الحديدي لتكوين النخب الرسمية الأردنيّة قد وجدت في هذه المناخات التي وفرت لقبائل محدودة ومراكز قوى معينة وفئات صغيرة أخرى من الملاك ورجال الأعمال فيما بعد فرص الاستمرار في تمثيل النخبة السياسية الرسمية وإعادة تشكيلها وتوارثها في كل مرحلة. ولعل ذلك المنهج قد أفاد البلاد في تلك المرحلة، ولكنه انهكها وشل قواها فيما بعد.
بات واضحاً أن الأعوام القليلة الماضية قد شهدت محاولات لإعادة صياغة النخب الرسمية الأردنيّة، لكن الحقيقة تفيد باستمرار الآليات التقليدية رغم الضجيج حول صراعات داخل تلك النخب؛ فلا يوجد قديم يستميت من أجل البقاء ولا جديد يناضل من أجل إثبات الوجود، بل حالة من فقدان الوزن.
ولعل المتتبع يلاحظ دور الفترات المضطربة ومراحل التحولات الكبرى في إبراز النخب المثقفة والعضوية وتأكيد دورها كأداة للتحديث والحماية. وقد شهدت بداية مرحلة التحولات الديمقراطية فِي الأردن موجة من استقالة المثقف من دوره كموجه للحركة السياسية المدنية، وأصبح يدور في رحى حالتين تعصفان اليوم بالمثقفين الأردنيين؛ أولهما التهميش الّذي سيصل حتما إلى حالة من الاسترخاء والنسيان، والحالة الثانية المشاركة السلبية التي سمحت بتحول رموز من النخب المثقفة إلى مجرد أسنان فِي ماكينات الإدارة العامة الضخمة، حينما لَم يسهموا في تقديم رؤى نقدية تساعد في تقدم النظام والحياة السياسية في البلاد.
إعادة إنتاج النخب على أسس جديدة هي مهمة الدولة ومسؤوليتها قبل غيرها، وهي مهمة عاجلة ليس فقط لإخراج النخب من أزمتها، بل لإخراج الدولة والمجتمع من حالة فقدان الوزن.

التعليق