اقتصاد السعادة

تم نشره في الثلاثاء 30 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 2 أيلول / سبتمبر 2011. 02:13 مـساءً

 جيفري ساكس*

نحن نعيش في عصر تكثر فيه مشاعر القلق العميق. وبالرغم من الثروة التي لم يسبق لها مثيل الموجودة في العالم، فإن هناك شعورا كبيرا بفقدان الأمان والاضطرابات وانعدام الشعور بالرضا. إن غالبية كبيرة في الولايات المتحدة الأميركية تعتقد أن البلاد تسير في "المسار الخاطئ"، كما ارتفعت مشاعر التشاؤم. والكلام نفسه ينطبق على أماكن كثيرة أخرى.
هذا يعني أن الوقت قد حان لإعادة النظر في المصادر الأساسية للسعادة في حياتنا الاقتصادية. فالسعي الدؤوب للحصول على دخل أعلى يؤدي وبشكل غير مسبوق لانعدام المساواة ومشاعر القلق، بدلا من أن يؤدي إلى المزيد من السعادة والرضا عن مستوى المعيشة. إن التقدم الاقتصادي مهم، ويمكن أن يحسن بشكل كبير نوعية الحياة، لكن فقط لو تم السعي للحصول عليه بشكل يتوافق مع الأهداف الأخرى.
من الملاحظ في هذا السياق أن مملكة بوتان الواقعة في جبال الهملايا هي من طليعة الدول الرائدة في هذا الخصوص. فقبل أربعين عاما، قرر الملك الرابع لبوتان، والذي كان جديدا وشابا في ذلك الوقت، أن يتبنى خيارا رائعا، وهو: يتوجب على بوتان أن تسعى "للسعادة المحلية الإجمالية" بدلا من الناتج المحلي الإجمالي. ومنذ ذلك الحين قامت مملكة بوتان بتجربة مقاربة بديلة وشمولية للتنمية لا تركز على النمو الاقتصادي فحسب، بل أيضا على الثقافة والصحة العقلية والتعاطف والمجتمع.
لقد اجتمع مؤخرا عشرات الخبراء في عاصمة بوتان، تيمبو، من أجل التأمل في سجل تلك الدولة، حيث قمت أنا شخصيا باستضافة ذلك الاجتماع بالمشاركة مع رئيس وزراء بوتان جيجمي ثينلي، وهو من قادة التنمية المستدامة وبطل عظيم لمبدأ السعادة المحلية الإجمالية. وقد اجتمعنا غداة إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي دعا للتحقق من كيف يمكن للسياسات المحلية أن تنمي السعادة في مجتمعاتها.
اتفق كل المجتمعين في تيمبو على أهمية السعي للحصول على السعادة بدلا من السعي للحصول على الدخل الوطني. والسؤال الذي قمنا بالتركيز عليه هو كيفية تحقيق السعادة في عالم يهيمن عليه التمدن السريع ووسائل الإعلام ورأس المال العالمي والتدهور البيئي. كيف يمكن إعادة تنظيم حياتنا الاقتصادية من أجل إعادة خلق روح المجتمع والثقة والاستدامة البيئية؟ إليكم الآن بعضا من تلك الاستنتاجات الأولية.
أولا، يتوجب علينا عدم التقليل من أهمية قيمة التقدم الاقتصادي. فعندما يكون الناس جوعى ومحرومين من الاحتياجات الأساسية، مثل الماء النظيف والرعاية الصحية والتعليم، وبدون أن يكون لديهم عمل ذو معنى، فإنهم سوف يعانون. إن التنمية الاقتصادية التي تخفف من الفقر هي خطوة حيوية من أجل تعزيز السعادة.
ثانيا، إن السعي الدؤوب إلى الناتج المحلي الإجمالي مع استثناء الأهداف الأخرى لا يعتبر هو الآخر طريقا للحصول على السعادة. فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة الأميركية بشكل كبير في الأربعين سنة الماضية، ولكن السعادة لم تزد، وعوضا عن ذلك فإن السعي الأوحد للناتج المحلي الاجمالي قد أدى إلى انعدام المساواة في الثروة والقوة، وأدى إلى زيادة كبيرة في أعداد الطبقات المحرومة، وجعل الملايين من الأطفال يعلقون في حياة الفقر، بالإضافة إلى التسبب في تدهور بيئي كبير.
ثالثا، إن السعادة يمكن أن تتحقق من خلال مقاربة متوازنة للحياة من قبل الأفراد والمجتمعات. ونحن كأفراد لا نكون سعداء عندما يتم حرماننا من احتياجاتنا المادية الأساسية، ولكن لا نكون أيضا سعداء عندما يحل السعي للدخل الأعلى محل تركيزنا على العائلة والأصدقاء والمجتمع والتعاطف والمحافظة على التوزان الداخلي. وبالنسبة للمجتمع، فإن تنظيم السياسات الاقتصادية من أجل الإبقاء على ارتفاع مستوى المعيشة هو شيء، ولكن جعل جميع قيم المجتمع مسخرة لخدمة السعي للربح هو شيء آخر.
إن السياسات في الولايات المتحدة قد سمحت بشكل متزايد لأرباح الشركات بالهيمنة على جميع الطموحات الأخرى: الإنصاف والعدالة، والثقة، والصحة الجسدية والعقلية، والاستدامة البيئية. ومساهمات الشركات في الحملات الانتخابية أدت بشكل متزايد إلى تقويض مسيرة العمل الديمقراطي، وبمباركة المحكمة العليا الأميركية.
رابعا، إن الرأسمالية العالمية تشكل تهديدا مباشرا للسعادة؛ فهي تدمر البيئة الطبيعية من خلال التغير المناخي والأنواع الأخرى من التلوث، بينما تعمل الدعاية المستمرة لصناعة النفط على إخفاء تلك الحقيقة عن العديد من الناس. كما يبدو أن إضعاف الثقة الاجتماعية والاستقرار الذهني مع انتشار الاكتئاب السريري في تزايد. لقد أصبحت وسائل الإعلام منافذ لإطراء الشركات، والعديد منها معاد للعلم بشكل واضح، كما يعاني الأميركيون من تزايد إدمهانهم الاستهلاكي.
إن بإمكاننا النظر إلى كيف تقوم صناعة الأطعمة السريعة باستخدام الزيوت والدهون والسكر وغيرها من المكونات التي تؤدي إلى الإدمان، وذلك من أجل خلق إدمان غير صحي على الأطعمة التي تؤدي إلى السمنة الزائدة. إن ثلث الأميركيين الآن يعانون من السمنة الزائدة، علما أن بقية العالم سوف تتبع أميركا في نهاية المطاف، ما لم تقم الدول بالحد من الممارسات الخطرة للشركات، بما في ذلك الإعلان عن الأطعمة غير الصحية التي تؤدي للإدمان، والتي تستهدف الأطفال الصغار.
والمشكلة ليست فقط الأطعمة، فالإعلانات تساهم في جوانب أخرى كثيرة من جوانب الإدمان الاستهلاكي، والتي تؤدي إلى تكبد نفقات كبيرة في مجال الصحة العامة، بما في ذلك مشاهدة التلفاز بشكل مفرط، والقمار، واستخدام المخدرات، وتدخين السجائر، والإدمان على الكحول.
خامسا، يجب علينا من أجل الترويج للسعادة تحديد العناصر العديدة بخلاف الناتج المحلي الإجمالي التي يمكن أن ترفع أو تقلل من رفاهية المجتمع. إن معظم البلدان تستثمر من أجل قياس الناتج المحلي الإجمالي، لكنها تنفق القليل على تحديد أسباب الأمراض (مثل الأطعمة السريعة، ومشاهدة التلفاز بشكل مفرط) والتدهور في الثقة الاجتماعية والانحدار البيئي، وعندما نفهم تلك العوامل فإن بإمكاننا التصرف.
إن السعي المجنون للربح من قبل الشركات يهددنا جميعا. يجب علينا أن ندعم النمو الاقتصادي والتنمية، ولكن فقط في سياق أعم: أي النمو الذي يروج للاستدامة البيئية، وقيم التعاطف والأمانة، والمطلوبة من أجل الثقة الاجتماعية. إن البحث عن السعادة يجب أن لا يكون محصورا بجبل مملكة بوتان الجميلة.

*أستاذ في علم الاقتصاد ومدير معهد الأرض في جامعة كولومبيا، ومستشار خاص للأمين العام للأمم المتحدة فيما يتعلق بأهداف التنمية للألفية.
خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق