محمد أبو رمان

متفائل جداً

تم نشره في الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2011. 03:19 صباحاً

لم يكن مشهد المذيع الليبي وهو يهدد ويتوعد من الفضائية الرسمية "الجرذان" و"الصليبيين"، ويدعو الشعوب العربية إلى الدفاع عن نفطها وعن "ليبيا القذافي"، سوى أمر مثير للسخرية والضحك، بينما كان عشرات الملايين يتابعون اللحظات الأولى لفتح طرابلس بالثورة المزدوجة، من داخلها ومن القادمين من المدن الأخرى.
تهاوى القذافي سريعاً برغم المجازر والإبادة والتعذيب، ولم تصمد كتائبه ساعات قليلة، وفرّ أعوانه وأُسر آخرون، وانتهت بذلك حقبة من أسوأ الأزمنة التي مرّت على الشعب الليبي، إذ أمعن هذا المعتوه فيه تجهيلاً وإفقاراً، وإذلالاً، وجعل من دولته سخرية العالم، ومن نفسه بهلواناً مخجلاً لصورة العرب والمسلمين الحضارية!
ليس القذافي فقط من تهاوى وانهار، بل هي بقايا النظام الرسمي العربي، الذي كان مسؤولوه إلى ما قبل 24 ساعة فقط من تحرير طرابلس يراهنون على أنّ الاستعصاء الليبي واليمني والسوري، والسجالات المصرية والتونسية، هي عنوان انتهاء الحلم العربي واحتوائه بإصلاحات شكلية أو تخويف.
سقوط القذافي هو بمثابة ولادة اللحظة التاريخية الثانية في موجة الربيع الديمقراطي العربي، وهو نذير شؤم لنظامي الأسد وعلي عبدالله صالح. وقد كان الإعلام الرسمي السوري، لسخرية الأقدار، يبشّر حتى اللحظة الأخيرة بثبات القذافي، ثم قطع الحديث عن الثورة الليبية!
في الوقت نفسه كان الأسد يتحدث في مقابلة تلفزيونية عن الوضع الأمني المستقر، والتحسن الاقتصادي والحرية الإعلامية التي لا تعرف سقوفاً، وكأنّ المواطن السوري يعيش في السويد أو الدنمارك!
كنت أسأل نفسي وأنا أستمع إليه: من يخدع؟! هل يضحك على نفسه، أم على الشعب الذي يستمع إليه وهو يكتوي بنار القذائف وبـ"جحيم" التعذيب والاعتقالات، أم الوطن المجزأ عسكرياً لمنع المسيرات السلمية؟!
مثل هذه النظم هي خارج اللحظة التاريخية اليوم. ليس لها مكان تحت الشمس، فلا يمكن أن نستمع لمثل هذا الخطاب النرجسي المغرق في التغابي، إلاّ قبل العصر الجديد، عندما كانت الشعارات الزائفة الخدّاعة تستهوي قلوب الجماهير المكلومة، فتتنازل عن حقوقها الإنسانية والسياسية تحت وطأة الشعور بالوطنية، بينما، في الحقيقة، ذلك التنازل هو الخيانة العظمى للوطنية الحقة، فالأيدي المرتعشة لا تبني الأوطان والمقيدة لا تحمي البلاد!
الضربة القاصمة هي للتيار الرسمي العربي، ولمسؤولين متذاكين، كانوا يروجون لانتهاء "المولد الديمقراطي"، فجاء تحرير طرابلس ليؤكد أنّنا على أعتاب زمن جديد مختلف بالكلية، وأن عقارب الساعة لن تعود إلى وراء، وأن النظام الرسمي العربي بصيغته المتبقية قد انتهى، فإمّا أن تولد الثورة من رحم التغيير السلمي التوافقي أو تنفجر، لكنها لن تتوقف.
انتصار الثورة الليبية بمثابة رد صارم مزلزل على فلول تيار فكري وسياسي ما يزال يقفز على معاناة الشعوب العربية وجراحها، ويؤازر أنظمة فاشية مستبدة فاشلة، بدعوى القضية الفلسطينية والقومية ومناهضة الصهيونية.
لم يعد هذا الخطاب مقبولاً لدى الشارع العرب بحال من الأحوال، ولن يضحي أحد بحريته على مذبح دعاوى خادعة استُغلت فقط لتبرير الفساد والاستبداد وتسويق الظلم والطغيان. وقد أثبت المصريون بأمس، عندما أنزل فتى العلم الإسرائيلي عن السفارة، أنّ الشعوب العربية هي الأقدر على معرفة بوصلة المعركة، داخلياً وخارجياً، وأنّه لا خوف من شعوب حرة متحررة لها كرامتها، وتحترم ديمقراطيتها، فالخشية هي فقط من أنظمة عفنة وشعوب مرعوبة وثقافة تحتفي بالديكتاتورية والنفاق!
أنا متفائل جداً، فها هو الربيع العربي ينتشر، ليفتح أفقاً جديداً للأجيال القادمة، علّها تحظى بالعدالة والحرية والإنسانية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أزهر الربيع (د. حسين الهروط)

    الأربعاء 24 آب / أغسطس 2011.
    فالأيدي المرتعشة لا تبني الأوطان والمقيدة لا تحمي البلاد!
    صدقت ياصحب القلم الصادق
  • »الاردن (احمد ابو رصاع)

    الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2011.
    ريتني اشتم زهور التفائل لكي تعبر عن رحيق مبهر للدول التي تسعى على نشوب الذبول .
    الخراب يعمر ويعم المناطق لا يقال تحرير لا والله بل هو الاستعمار.
    شكرا وجهة نضر
  • »التفائل شي جميل (عادل ابودلو)

    الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2011.
    افهم من كلامك اخ محمد كاتب المقال ان القضية لم تنتهي وسنرى تتابع لهذه المسيره وهي التغيير وارى من كلامك انه سياتي دول غير اللتي سقطت عربيه اخرى فهذا الحال من كلامك اجد ان كل الشعوب مخدوعه نعم هي مسالة وقت وسننتظر القادم والله يستر ....
  • »كسر حاجز الخوف هو سر التغيير (هالة بختيار)

    الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2011.
    التغيير السلمي لا يعني المهادنة مع الأنظمة المستبدة، فتونس ومصر حسمت ثورتهما بحراك سلمي دون تنازل لنظام عبث بحياتهم وكرامتهم، الأنظمة المستبدة تهادن وتفاوض أحياناً كي تشتري الوقت ولإعادة ترتيب أوراقها. درس الربيع العربي هو أن كسر حاجز الخوف هو سر التغيير! أنظمة كرتونية!
  • »كسر القيد الثالث (خالــد الشحـــام)

    الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2011.
    أشكرك دكتور محمد للمقال الرائع
    سقوط طرابلس لم يكن سوى قضية وقت ، أرصدة القوة والعتاد والرجال هي قضية استنفاذ تحت وطأة انتظار الزاحفين المشتاقين ، المسافرون في الصحراء رجعوا حيت تشتاق قلوبهم وتنتظرهم لحظات العودة ، وجه العدو الشمعي يعود لطبيعته الانصهارية تحت شمس ليبيا ، وينساب تحت حبيبات الرمل الخفيفة ،طال عليه الزمن وارتحل بعيدا في خيمته ولم تعد الطبيعة تحتمل ما تحتمه قوانين البادية التي يدعي ولاءه لها ، اليوم طويت صفحة قديمة ثقيلة من امتهان واذلال بني يعرب وأعاد الزمن تعديل ساعته لهم ، القذافي ليس إلا قائدا رمزا يختصر كل الصفات العظيمة الموروثة في قادة العرب العظماء التي تضم الموهبة في خيانة الشعوب وحسن الخطابة والطلعة لدرجة الاضحاك ، ثم الأفكار الهزيلة القادمة من وراء الفضاء ، و شدة عشقهم لشعوبهم لدرجة الاستعباد ، وأخيرا طول العمر لدرجة الملل والضجر ......سقوط القذافي بالنسبة للكثيرين البعيدين هو حدث لا يعنيهم ، ولهواة السياسة هو أمر مثير ولكن بالنسبة للفئة التي ينتمي الرجل إليها فالقصة حياة أو موت وقد بين لهم قسرا عن رغباته أن زمن الطغاة ولى كما زمانهم ، والعبيد ما عادوا عبيدا والبلاد ما لبثت ذات البلاد ، لا شك أن كثيرا منهم اليوم يهنىء ذوي الراحل بتغير حالهم وكبير عطائهم ولكن قلبه يحمل غصة الخوف والضيق مما تحمله رمال الصحراء ، من دفعوا ورسموا لقذف صاحبنا وهم على شاكلته لا يعلمون أنهم يحيون في ذات صحرائه التي لفظته وهم قاب ثورتين أو أدنى وهم للذل والعذاب أقرب يومــئـذ ، البوابة الثالثة لعالم العرب تفتتح اليوم في طرابلس وغدا في صنعاء ثم في دمشق ومن يدري ما يخفيه عالم الغيب فالربيع يأتي مرة واحدة في العمر فيا لحظ ناظريه .