عيسى الشعيبي

الدرس الليبي.. من يتعظ؟!

تم نشره في الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2011. 03:18 صباحاً

قد تطول قليلاً وقد تقصر كثيراً النهاية المقررة سلفاً للنظام الليبي، بعد أن بات الثوار يدقون آخر حصونه المنيعة في باب العزيزية، وهم أكثر ما يكونون إصراراً وعزيمة على إنهاء حكم واحد من أشد الديكتاتوريين صلفاً في هذه المنطقة، التي بدت حتى مطلع العام الحالي وكأنها الاستثناء على القاعدة، أو قل الجزيرة المغلقة في وجه رياح الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، التي هبت على مختلف أنحاء العالم، بدون أن تعرّج عليها مرة واحدة.
ولعل أهم ما تنطوي عليه هذه النهاية المدوية لحكم عائلة القذافي، وأعظم ما تزخر به من قيم تاريخية كبيرة، أنها أتت في سياق تحول أشمل، جرف في طريقه قلاعاً أوتوقراطية بدت حتى الأمس القريب منيعة الأسوار، عصية على السقوط من الداخل، الأمر الذي يجعل من هذه الواقعة الغاصة بالدروس الثمينة، بمثابة حلقة أخرى من السلسلة الطويلة، التي انكسرت حلقاتها الأولى في تونس ومصر، وتآكل حديدها في غيرهما من البلدان العربية الأخرى.
ذلك أن عناد نظام العقيد القذافي لنحو ستة أشهر دامية، وتشبثه حتى الرمق الأخير بأهداب ما تبقى له من سلطة، بدا كفلينة تسد فوهة الزجاجة بإحكام، الأمر الذي راح يشجع نظراءه من الطغاة العتاة على إبداء المزيد من المراوغة والمكابرة، وعقد الرهانات البائسة، وإبداء مظاهر الصمود الزائفة، ومن ثم أخذ جرعة فارغة من آيات الثقة بالنفس والطمأنينة، طالما أن تعثر حركة التغيير الليبية كان يعطي لمثل هؤلاء بعضاً من الوقت اللازم للاستدراك والتحوط حيناً، ومعاودة الهجوم الضاري في أحيان كثيرة.
أما وقد انتهت صفحة النظام الليبي في واقع الحال إلى غير رجعة، فإن رؤوس الأنظمة المشابهة له في التفرد والفساد والاستبداد، سوف تحسب الحساب من جديد، وتعيد قراءة مشهد السقوط المهين، وتتأمل ملياً في الدروس التي فاض بها مشهد طرابلس المنتفضة على خاطفها، وتعقد المقارنات المرعبة، لعلها تأخذ العظات المفيدة، وتتوقف عن غذ السير وهي مفتوحة الأعين إلى أقدارها المأساوية.
لقد أصبحت جماهيرية القذافي وأنجاله البائسين من الماضي، الأمر الذي يدعونا إلى شد الأبصار نحو المستقبل، وتركيز الأذهان على من سيكون التالي من بين الواقفين في طابور المنذورين موضوعياً لمثل هذه النهاية المذلة، لا سيما أن الوقت يمضي كالسيف اليماني بسرعة، وأن الزخم الآتي من ليبيا من المقدر له أن يمد الثائرين على جلاديهم أينما كانوا بقوة دفع جديدة، ويمنحهم ما كانوا يحتاجونه من ثقة إضافية، وتعزيز معنوي، لإتمام ما بدؤوه من خطى شجاعة على دروب مسيرة ذات اتجاه واحد لا رجعة فيه أبداً.
وأحسب أن الثائرين في صنعاء وتعز، وأقرانهم في حمص ودرعا، وغيرها الكثير من الحواضر العربية، هم أكثر المتشجعين بهذا التحول الكبير في مسار ثورة شعبية كانت تتعثر في الرمال الليبية، وأشد المستفيدين من عوائده الفورية، وأن هؤلاء الشباب المتمسكين بأهداب الخيار السلمي والانتفاضة المدنية، سوف يرون في سقوط القذافي تأكيداً إضافياً على إمكانية تحقيق غاياتهم المرجوة، ومثالاً في متناول اليد، نافذة أوسع، فرصة أجزل للبناء عليها، وصورة قابلة للتكرار على هذا النحو أو ذاك في ديارهم المتعطشة للحرية، الأمر الذي سيمدهم بمزيد من الجرأة والمضاء، ويطمئن قلوبهم أكثر فأكثر بحتمية الفوز في هذه الملحمة التاريخية.
وهكذا، فنحن اليوم لسنا في معرض تقليب صفحات الكتاب الليبي المثخن بالآلام، الملبد بالأحزان، الفائض بالدروس والعبر المفيدة، وإنما نحن بصدد التطلع إلى المستقبل الذي لا يخص الليبيين وحدهم في هذه اللحظة الباذخة بالأمل، خصوصاً إذا ما استكملت هذه الثورة تحولاتها الديمقراطية المرجوة بدون مزيد من الدماء، وتجنبت الوقوع في التشتت والأخطاء، ونجت من محاولات السرقة والاختطاف، وقدمت نموذجاً طيباً في كيفية الانتقال من فوضى نشوة النصر، وعدمية رغبات الثأر والانتقام، إلى فضاء عهد الدولة المدنية وزمن البناء الديمقراطي الحثيث، وهو أمر يستحقه الليبيون فعلاً، ويتطلع إلى رؤيته كل المعولين بشدة على ازدهار الربيع واتساع حدائقه في سائر الديار العربية.

التعليق