أبو فنار.. ومتى كان الموت يستأذن أحداً؟

تم نشره في السبت 20 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً

أقسم أننا دفنّا يوم السبت الماضي نصف جثمان محمد ذياب أبو فنار في مقبرة ماحص، في لحظة أجمع فيها كل أصدقائه على أن بعض الموت أرحم من الحياة.
أبو فنار من أبرز نشطاء الحركة الرياضية في الفحيص، ومن الذين بنوا فريق كرة القدم في ناديها، بعد أن كان من أبرز لاعبي كرة القدم في نادي الخليل في الضفة الفلسطينية، فقدم إلى الفحيص ليساهم في تشكيل أول فريق كرة قدم في ناديها، واستمر لسنوات طويلة نجماً بارزاً في العمل الرياضي والإداري. وترك إرثه الرياضي ليكمل المسيرة فيه أخواه جمال وكمال وابنه رامي الذي لعب للفحيص قبل أن ينتقل لفترة بسيطة إلى النادي الفيصلي، وليعود مجدداً إلى صفوف فريق الفحيص لاعباً ماهراً بالقدم اليسرى.
قبل 15 عاماً غدر المرض بأبو فنار في حالة نادرة، حيث أصيب بجلطات في قدمه اليمنى، واكتشف الأطباء أنه يعاني من تضيق شديد في الشرايين. واضطر بعد علاجات كثيفة إلى بتر رجله كاملة. ولأن الغدر من صفات المرض، فقد انتقل لرجله الثانية التي اضطر إلى بترها هي الأخرى منذ ست سنوات، حيث جلس أبو فنار في بيته بنصف جسم، لكن بمعنويات عالية، لم تمنعه يوماً من متابعة الرياضة والمباريات، حيث لا يمكن أن تشاهد على شاشة تلفاز بيته سوى الرياضة بأشكالها كافة. لكن في سنواته الأخيرة جذبته السياسة، فأدمن على الأخبار، وأصبح من المحللين الأذكياء.
لم نخض يوماً انتخابات في نادي الفحيص أو في البلدية أو في النيابة بدون الاستماع إلى توجيهات أبو فنار، فقد كان بوصلة ذكية في العمل الانتخابي، ولم يخطئ يوماً في التقدير الصحيح له.
ثمة ميتة رحيمة، وثمة ميتات تأتي على حين غرة، تقصف عمر الإنسان من دون استئذان، لا تحاوره، لأنها تعرف أنها مقدّرة لا يمكن ردها، هي هكذا تغشى الجسد المتعب حتى تمنع النَّفَس عنه. لا تنظر إلى أن هذا الجسد سكنه القهر والظلم، فولج صاحبه زاوية في العتمة هرباً من سياط الواقع لا خوفاً ولا تردداً، لكنها لحظة مداعبة لموت لا يقبل المزاح.
أيها الموت.. أعرف أنك لا تصوم، ولا تفرّق بين مفطر وصائم، وأعرف أنك لا تقبل المساومات حتى لو دعوناك لتجلس في صدر البيت، وعلى أنعم أريكة.. أعرف أنك لا تستجيب لنا، لكنني أتمنى أن تكون رحيماً بمن أحب الحياة، أتمنى ألا تمارس سياسة الخطف، فهي مؤلمة لقلوبنا.
أيها الموت، أعرف أنك لا يمكن أن تصاحبني لأحدّثك عن أحباب خطفتهم، ونحن نرجو لهم حياة أطول، فهم مبدعون حد الرفعة، وصعاليك في هذا الزمن الرديء.
أنت هكذا أيها الموت، لا تطرق الباب، ولا تستأذن، تفعلها برغبات لا راد لها.
ألا تقبل أن ندعوك إلى صفقة حتى لا تأتي غفلة، وإذا أمكن أن تؤخرنا قليلاً لننعم بعمرنا الذي سرق منا فواتير مدفوعة لأبناء قادمين، يحلمون بالحياة، ولحياة أصعب من قرط حجر الصوان؟
أيها الموت، ابتهج وافعل ما أنت مأمور به، لكن على رسلك قليلاً فنحن ما نزال أحياء، وإياك والغدر، فنحن عشاق الحياة، قد نمازحك، ونلهو معك اذا وافقت على ذلك، لكن تأكد أننا نعيش الحياة ليس حبا فيها فقط، بل حبا بأحباب يخطون الآن الأحرف الأولى في الحياة، فهم مشرقون ونحن نغرب.
15 عاما وأبو فنار في حالة صمود على فراش المرض، يداعب الحياة بمعنويات عالية، وبروح رياضية شفافة، شاركته في ذلك زوجة صابرة، وأبناء أوفياء.. رامي وإيهاب وفادي.
محمد أبو فنار.. عليك الرحمة وعلينا أيضا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكرا لك ايها الاصيل (ابراهيم مخامره)

    الأحد 21 آب / أغسطس 2011.
    اود شكر الاخ الاستاذ الرنتيسي على وفائه واى انني عاجزا عن شكره لكن ما اود قوله "ان صدق الانتماء واسمى صور الولاء لا يعرفها الا الاوفياء. شكرا لسمو وفائك الذي كان اوفى من الوفاء
  • »المقل (احمد ابو فنار)

    السبت 20 آب / أغسطس 2011.
    والله مقالك حلو
  • »عن امير المؤمنين انه قال: اعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    السبت 20 آب / أغسطس 2011.
    الفاتحة والصلاة الربانية على روح ابو
    فنار .والهم الله الصبر للسيدة زوجته واولاده رامي وايهاب وفادي ..فأعترف بأني لا اعرفه ولكن أثرت في جدا كلمات الاستاذ الرانتيسي ، ووجدت نفسي تتألم لما حصل للمرحوم ابو فنار .وأردت ان اردد ما قاله الخليفة علي بن ابي طالب
    قال: اعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.وعلينا ان نهيء انفسنا للموت في اية لحظة لأن الله هو العليم متى ستكون أخرتنا .وانا اقول لنكن مهيئين نفسيا وروحيا ودينيا عندما يستدعينا رب العالمين ليستوفي دينه