عندما يرتبط الإصلاح بالثورات!

تم نشره في الخميس 18 آب / أغسطس 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 18 آب / أغسطس 2011. 02:42 صباحاً

غريب أمر بعض الأنظمة العربية! فما إن تبدأ ثورات أو حتى احتجاجات شعبية في بلدانها، حتى تبدأ المناداة بالإصلاح الداخلي، وتغليب مبدأ الحوار، والانفتاح على قوى المعارضة وغيرها من الخطوات الشبيهة الأخرى، وذلك في محاولة لاستمرار تلك الأنظمة في الحكم أكثر منه إيماناً أو قناعة بما تنادي به وتتخذه من خطوات. تكرر المشهد في كل من مصر وتونس قبيل سقوط رئيسي البلدين، وانسحب التكرار على دول الإرهاصات الثورية العربية.
بدايةً، فإن من اعتمد على القمع وكبت الحريات وممارسة الديكتاتورية المطلقة لن يُقدم على إصلاحات حقيقية في بلده. وعلى الأغلب، فإن دعوته الإصلاحية تأتي لامتصاص النقمة الجماهيرية، في محاولة واضحة للحفاظ على الذات. فالرئيس الذي يجري استفتاءً جماهيرياً لولاية رئاسية ثالثة ورابعة بعد انقضاء ولايتين له، وذلك وفقاً لغالبية دساتير الأنظمة الجمهورية العربية، فإنه بعيد بعد السماء عن الأرض عن الديمقراطية وأسسها، وإصلاحاته على الأغلب مزيّفة، يستطيع تجاوزها عند هدوء الأوضاع، ومن ثم "تعود حليمة إلى عادتها القديمة" في ممارسة الديكتاتورية القمعية على الجماهير.
من زاوية ثانية، فإن الرئيس الذي تزين له بطانته أنه وحيد عصره، والذي تقوم أجهزة مخابراته بتنظيم مظاهرات حاشدة لتأييده باعتباره الزعيم الملهم، والقائد الذي وهبته السماء لشعبه، ومن دون وجوده لن يستطيع الناس تنفس الهواء رغم المديونية والبطالة وارتفاع الأسعار والفقر والأمية وغيرها، ومع ذلك تنتشر صور الحاكم بأمره في كل المدن والقرى والساحات والزوايا، هذا الرئيس على ما يبدو ومع الحالة هذه يصدّق التأييد الشعبي المطلق له ولحكمه.
هؤلاء الحكام لا يدركون التقدم التكنولوجي وانتشار المعرفة والثورات الصناعية، بكل ما تبتكره من تقنيات جديدة تجعل من العالَم قرية صغيرة من حيث المعرفة، ولا يدركون أن الديمقراطية حاجة إنسانية مثل الماء والهواء الذي يشربه ويتنفسه الإنسان، والذي لا يمكن لمطلق بشر أن يحيا من دونهما. والديمقراطية أيضاً استحقاق عضوي للبشر "فمتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟".
تقول الفلسفة إن السياسة هي اقتصاد مكثف. وهي مقولة صائبة إلى حدٍ بعيد. فالمجالان مرتبطان أشد الارتباط، وهما بالضرورة مؤثران موضوعيان، ينعكسان على الواقع الحياتي والرأي العام الجماهيري الذي في النهاية يشكل وعياً عاماً محصلته المواقف المتخذة، والوعي بدوره هو انعكاس للواقع.
نقول ذلك لأن أنظمة هذه الدول تريد أن تحكم الجماهير بديكتاتورية القرون الوسطى المطلقة، مع أن السمة الرئيسية لعصرنا هي المعرفة. هذا مع أن هذه الأنظمة غير قادرة على تلبية احتياجات جماهيرها الحياتية والرئيسية، وصولاً إلى الفقر المدقع لغالبية الناس الذين لهم قدرة على التحمل. هؤلاء يصلون إلى حد الجوع وعدم القدرة على تلبية المتطلبات الدنيا للحياة، فمن الطبيعي والحالة هذه أن يقوم الانفجار الجماهيري المعبّر عنه في الثورات.
فمن ناحية ينكسر ويتهدم حاجز الرعب من القمع، فيخرج الناس غير هيابين من كل الوسائل القمعية، سواء أكانت دبابات أو فرقا عسكرية مدربة جيداً على ما تسميه الحكومات (مكافحة الشغب)، أو البلطجية وأزلام الأجهزة. ومن ناحية ثانية، فإن الأنظمة التي تعودت إسكات الجماهير بالقمع، تُفاجأ بأنه حتى قتل الناس لن يؤدي إلا إلى إشعال الثورات بمزيد من التسارع في بلدانها، وهو ما يؤدي إلى إسقاط الحاكم بأمره. غير أن ذلك ليس هو نهاية الطريق، كما شهدنا ذلك في كل من مصر وتونس وسنشهده حتماً في بلدان الإرهاصات الثورية العربية، فالحاكم والحالة هذه هو رأس نظام وحتى وإن تم إسقاطه، فلا يعني ذلك سقوط النظام المعبر عنه في فئة حاكمة مستفيدة من وجود الرأس، لأنه يلبي احتياجاتها ومصالحها، فمن الطبيعي أن تطمح إلى دوام النظام ولكن بوجه جديد أو وجوه جديدة.
لذلك، وعلى طريق استمراريتها، تلبي الأنظمة بعض الاحتياجات الإصلاحية، والتي تُظهر وكأن عملية التغيير قد تم إنجازها، في الوقت الذي تسعى فيه جاهدة لإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء. لذلك، فإن الالتفاف على منجزات الثورة هي إمكانية قائمة.
التغيير لن يتم من دون إسقاط النظام وليس رأسه فقط، وهذا ما لم تدركه الكثير من قوى المعارضات العربية التي لم تقد الجماهير في بلدانها إلى نهاية الطريق، كونها لم تُدرج إسقاط النظام على سلّم أولوياتها البرنامجية، فأقصى ما كانت تطالب به هو الإصلاح من خلال النظام. وهي لم تستقرئ حتمية الثورة الجماهيرية على الأوضاع، وكذلك ما تزال حائرة في أي الشعارات تريد طرحه، إضافة إلى تفرقها واختلاف مواقفها تجاه الذي يمر بالبلد من أحداث، الأمر الذي يسهل لقوى الردة استمراريتها والعمل من أجل العودة إلى الوراء.
يبقى القول إن الإصلاح إضافة إلى ضرورته فإنه ليس قناعاً يلبسه الحاكم من أجل الخروج من أزمة على طريق استمراريته، مثلما حصل في مصر وتونس ومثلما هو مؤهل للحدوث في دول الإرهاصات الثورية العربية. الإصلاح أولاً وأخيراً هو سمة رئيسية للعصر، طرحه مرتبط بالضرورة، ومرتبط بالحاجة المستمرة إليه. وهو احتياج عضوي للإنسان في تبعاته الديمقراطية، ونشر العدالة الاجتماعية بين الناس، وحرية التعبير عن الرأي، والقضاء على المحسوبية والفساد والفقر.. أي باختصار: تلبية متطلبات الجماهير حياتياً وروحياً.

التعليق