برلمان قوي يعزز المساءلة

تم نشره في الخميس 18 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 18 آب / أغسطس 2011. 03:42 صباحاً

دمج موازنات المؤسسات المستقلة في موازنة موحّدة للدولة خطوة في اتجاه تصحيح الانحرافات التي نجمت عن مرحلة خطيرة من انفلات الانفاق الحكومي، التي تفشت في ظل غياب المساءلة، والتي بدأت آثارها السلبية اليوم تظهر جلية.
 ولن يجدي سعي القوى البيروقراطية المتخندقة في السلطة التنفيذية، لإبعاد الأنظار عما اقترفوه من هدر للمال العام في فترة انكماش دور البرلمان، نفعا بتحميل ما أسموه بـ"قوى الليبرالية المتوحشة" مسؤولية اتساع فجوة الفقر والتهميش وانكماش الطبقة الوسطى.
 فمن الواضح تماما أن هؤلاء البيروقراطيين المتنفذين في أركان السلطة التنفيذية ممن تغولوا على السلطة التشريعية لن يجدوا مكانا تحت الشمس، عندما تسير قافلة إصلاح تؤسس لحياة ديمقراطية تلعب فيها السلطة التشريعية التي تستمد شرعيتها من تمثيل حقيقي لدورها، في المساءلة والتشريع في قواعد أخرى للعبة السياسية.
وحينها يمكن محاسبة المتسببين بالفاتورة التي ستدفعها الأجيال القادمة من أعباء المديونية التي حمّلونا إياها من جراء التهور.
 لقد سعت حكومات متعاقبة لتوزيع النفقات المتعاظمة تحت بنود مختلفة لإخفاء الصورة الأكبر لمدى التوسع في الإنفاق الحكومي غير المبرر، ما أدى إلى نزيف مستمر في موارد الدولة التي بدل أن يتم توظيفها في تطوير البنى التحتية لأحزمة البؤس التي تحيط مدننا في القرى المهمشة والمخيمات والأغوار هدرت في تنفيع المحاسيب، ونال المؤسسات المستقلة نصيبها، لأنها كانت مجالا أوسع وأكثر جاذبية لمنطق المحاباة والتوظيف الجهوي أدى ما أدى إليه من فقدان أهدافها التكنوقراطية كل أطر رقابية للادارة الحكومية.
 لم نر للآن خطوات حقيقية لترشيد الانفاق والقضاء على ازدواجية الأدوار والمهام المناطة بالمؤسسات المستقلة رغم مسعى تقريب سلم الأجور بهدف القضاء على مظاهر الفساد التي حولت بعض المؤسسات إلى بؤر خاصة لتوظيف المنتفعين.
 وبقي هدف ضبط المال العام آخر الاعتبارات، وكأنها مسألة إعادة توزيع للمنافع وهو ما لا يجوز في مرحلة التحولات الجسام نحو مجتمع مدني فاعل يرسخ مفاهيم المواطنة.
إن الفلسفة القائمة على الحصول على المزيد ثم المزيد من الدولة وما تسخى به هو الطريق الأقصر لبلوغ نقطة يصعب حينها الاتكاء على أحد لإخراجنا من مأزق أوقعنا أنفسنا فيه وتصبح العودة إلى إملاءات المؤسسات الدولية لضبط الموازنات والمالية الخيار الوحيد المتاح عندما تعلو صرخات المانحين الكبار.
إن ترتيب البيت الداخلي هو الذي يقطع الطريق على الارتهان للأحداث والمؤثرات الخارجية ولا شك أن ترجمة مفاهيم المراجعة الدستورية على الأرض ستؤدي إلى وضع الفرامل على إنفاق متهور وغير مسؤول كان وراء ما بددناه من الموارد في حقبة المساءلة التشريعية الغائبة.
 وعندما نرى مساءلة ومحاسبة حقيقية لبنود الموازنة وأوجه الانفاق الحكومي المنطلقة من الحرص على المال العام لا منطق توسعة المنافع أو إعادة توزيعها، حينها سيكون بمقدورنا، عبر برلمان منتخب يمثل إرادة الشعب ويعكس تمثيلا حقيقيا، من وقف تغول حكومات متعاقبة عمقت احتقانا مجتمعيا نعيشه اليوم عندما غابت بوصلة العدالة المجتمعية وترسخت فئوية بغيضة جعلت كل ركن من أركان البلاد المترامية يشعر بغبن وتهميش من نوع أو آخر. 

التعليق