د.أحمد جميل عزم

شباب ما بعد الثورة

تم نشره في الثلاثاء 16 آب / أغسطس 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 16 آب / أغسطس 2011. 02:17 صباحاً

كيف يمكن لشباب الثورة في مصر مواجهة التحديات الراهنة، وكيف يتعاملون مع الاستقطاب السياسي المتزايد، وهل عليهم الانخراط في عمل حزبي؟
في الحالات التقليدية، من يقود الثورات يتصارع على السلطة بعدها. وشاعت فكرة "الثورة تأكل أبناءها". فمثلا، في حالة الثورة الروسية العام 1917، حدث صراع البلاشفة والمناشفة. وفي حالة الثورة الإيرانية (1979) انفرد الخمينيون بالسلطة وأقصوا شركاء علمانيين وليبراليين وحتى إسلاميين.
في حالة مصر فإنّ من بادر للثورة قوى شبابية ليس لها أطر تنظيمية أو فكرية محددة، ما دفع البعض لتسميتها "ثورة بلا رؤوس". ولكن هذا أدى إلى أنّ من تتصارع في مرحلة ما بعد الثورة قوى كانت عاجزة قبلها وأثناءها.
يتصدر المشهد في مصر حاليا استقطاب بين الإخوان المسلمين والسلفيين من جهة (مع علاقة مميزة نسبيا، ومتأرجحة، مع المجلس العسكري)، وتيارات علمانية وليبرالية ومعهم الصوفيون من جهة ثانية. والإخوان المسلمون على سبيل المثال رفعوا شعار "مشاركة لا مغالبة" في الانتخابات البرلمانية العام الماضي، ما يعني أنّهم وصلوا حينها درجة الموافقة على دور سياسي محدود، ينحصر في التنافس على 30 % من مقاعد البرلمان، رغم قوتهم الشعبية المعروفة، بينما رفعوا سقفهم الآن، ويصرون على انتخابات قبل وضع الدستور، ما يعني الحرص على دور قيادي. ولحزب الوفد الليبرالي موقف مشابه تقريبا. كما رأينا القوى السلفية التي عارضت الثورة في البداية تريد تصدر المشهد وإقصاء الآخرين بذريعة "هوية مصر"، وهو ما استفز خصومهم الصوفيين للعب دور سياسي. ورأينا علمانيين يخوّفون الشارع من حكم الإسلاميين، فضلا عن حالات انفلات أمني.
قبل أن يقوم "شباب الثورة" بثورتهم درسوا تكتيكات الاحتجاج اللاعنفي وطبقوها، واطلعوا على تجارب البلقان وأوروبا الشرقية وغيرها، وأضافوا لها تجربتهم الخاصة. وهناك حاجة ماسة وعاجلة الآن لفهم المرحلة الثانية وإعداد ورش عمل خاصة بها. فهناك قوى أجنبية وداخلية تريد النكوص لقواعد اللعبة القديمة. فصحيح أنّ هؤلاء الشباب كانوا يريدون حرية سياسية للجميع، وفي مقدمة هؤلاء الأحزاب المختلفة التقليدية، إلا أنّ هناك مؤشرات على محاولات استئثار بالسلطة والعودة لألعاب التخوين والتخويف والتكفير، يمارسها إسلاميون وعلمانيون ضد بعضهم.
من مداخل المرحلة المقبلة لدى الشباب، هناك نظرية مهمة معروفة في الديمقراطية ووسائل الاتصال، هي نظرية "المجال العام"، وأهم من تحدث بها يورغن هبرماس، عالم الاجتماع والاتصال الألماني، حيث تنشأ حالة اجتماعية يمكن للأفراد أن يناقشوا فيها أمورهم بحرية، ليحددوا مشاكلهم الاجتماعية، ويحددوا هويتهم، ويؤثروا في الحراك السياسي. وهناك باحثون عرب وأجانب حاولوا تطبيق النظرية في تحديد دور الفضائيات التلفزيونية العربية. وبرأيي تزداد فاعلية هذه النظرية في الحالة العربية الثورية، لأنّ الشباب العربي أتقن استخدام شبكات التواصل الاجتماعي على نحو هائل سمح بتحويلها لآلية صنع قرار، وصنع رأي عام، ولاتخاذ قرارات مصيرية من نوع استمرار الثورة أو عدمها، مخالفين أحيانا المعارضة التقليدية.
والآن المطلوب تطوير التجربة حتى لا يتخلي الشارع عن فرصته للمشاركة في الجدل العام لصالح أحزاب ومشايخ وإعلام غير مستقل، فتشجيع الشخصية المستقلة لرجل الشارع، وتحفيزه للعب دور في حفظ الأمن والعمل العام أمران مهمان.
والمدخل الثاني هو مراجعة فكرة المجتمع المدني. إذ إنّ هذا المجتمع عالميا يقوم على أطر اجتماعية تراقب الأحزاب والسياسيين والدولة، بينما عربيا جرى تشويه هذه الفكرة سابقا بإلحاق منظمات هذا المجتمع بالنظام السياسي واعتبارها ذراعا أو تابعا له، أو هي مشاريع تجارية لجلب التمويل الأجنبي.
شباب الثورة بحاجة لقيادة مجتمع مدني حقيقي، ولتطوير آليات "المجال العام" وفق خطط واضحة، حفاظا على إنجازاتهم، وحرصا على حياة حزبية وسياسية صحية.

التعليق