تعديلات دستورية على طريق الإصلاح الشامل

تم نشره في الثلاثاء 16 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 16 آب / أغسطس 2011. 03:17 صباحاً

أقل كلمة ممكن أن تقال في التعديلات الدستورية التي أوجزها بشرح دقيق جلالة الملك في الاحتفال البهي أول من أمس أنها تعديلات متقدمة، وجوهرية تمثّل خطوة واسعة على طريق الإصلاح الحقيقي الذي سيطر على الخطاب الرسمي والشعبي طيلة الفترة الماضية.
وهي تعديلات تعزز من دور السلطتين التشريعية والقضائية، وحققت غالبية مطالب الحراك الشعبي الأردني الذي كان يطالب، بشكل عام، بالعودة إلى دستور العام 1952. واستطيع القول بارتياح شديد، انها ايضا سبقت الحراك وتجاوزته، وهي تتناسب مع ظروف المرحلة الحالية، ومن الممكن البناء عليها مستقبلا، للوصول إلى الإصلاحات الدستورية والتعديلات الافضل.
التعديلات الدستورية وضعت الاصبع بدقة على اوجاع الحياة البرلمانية، وما تعانيه من مثالب، وتم فيها تجاوز مرحلة الانتخابات المشكوك فيها، فوجود هيئة مستقلة تشرف على الانتخابات، منحت الثقة للناخبين أن صوتهم الانتخابي في صناديق الانتخابات سوف يذهب لاصحابه الشرعيين، كما ضمنت حق المرشحين الذين يرون أن ظلما وقع عليهم، بأن القضاء العادل هو الحكم في هذا الموضوع، وليس كما كان يحدث سابقا، أن الحكم والخصم هم اعضاء مجلس النواب المنتخب.
يكفي اننا تجاوزنا مرحلة القوانين المؤقتة، وعلينا ايضا تجاوز المرحلة المظلمة التي تغولت فيها الحكومة على المادة 94 من الدستور وأقرت 211 قانونا مؤقتا خلال اقل من ثلاث سنوات، في أكبر اعتداء على السلطة التشريعية بتاريخ الأردن منذ تأسيسه العام 1921 .
كما منحت التعديلات الفرصة الحقيقية لقوى الشباب بالمشاركة في صنع القرار من خلال تخفيض سن المرشح لعضوية مجلس النواب الى 25 عاما، وهذا يؤشر على ايمان حقيقي بدور الشباب وحركاتهم الاصلاحية، وكان من المؤمل ان تعطي التعديلات دفعا معنويا ودستوريا للمرأة الاردنية من خلال مساواتها بالرجل في المواطنة، من خلال التأكيد على ذلك بالنص الدستوري.
كما جاءت التعديلات كالترياق للحياة الحزبية التي تشهد في المرحلة الراهنة ضعفاً ملحوظاً، بحيث طغت احزاب الشعارات على احزاب البرامج، ولا يوجد حصيف يؤمن بدور الاحزاب كرافعة رئيسية في تطوير الحياة السياسية في البلاد ينكر وجود مشكلة حقيقية في العمل الحزبي، قد لا تتحمل الاحزاب اسبابها، انما هناك اسباب عديدة، ابرزها المحاربة الشرسة التي تتعرض لها الاحزاب من قوى الشد العكسي، بحيث ما يزال التدخل وسياسة إبعاد الناس عن الاحزاب هي الممارسة الاكثر من قبل بعض الجهات الرسمية التي لم تغادر مرحلة عقلية الاحكام العرفية، والتي تتوهم أن الاحزاب القوية سوف تتغول على اجهزة الدولة، بعكس دورها الحقيقي وهو تكريس حياة سياسية وحزبية تحمي الديمقراطية وتصون الحريات والقانون.
التعديلات أسست لمرحلة جديدة في الأردن في إطار المحكمة الدستورية، التي كانت مطلب المشتغلين بالعمل السياسي والعام منذ عشرات السنين.
في التعديلات الدستورية اشياء كثيرة نستطيع البناء عليها للوصول الى مرحلة الاردن الديمقراطي الحقيقي، وهي الان وديعة في قلب البرلمانيين، والأحزاب والنقابات وفعاليات المجتمع المدني، وعليها  أن تعزز الايجابيات وتبني عليها، وتحاول أن تمحو السلبيات للوصول الى التعديلات النموذج.
لقد أضافت التعديلات الدستورية، مدماكا قويا للحياة السياسية الاردنية، وإذا استطعنا دمج هذه التعديلات مع مخرجات لجنة الحوار الوطني، فنكون قد اعدنا لدستور العام 1952، روحه الحقيقية، وتكون لدينا من الأدوات التنفيذية المتقدمة  لتحقيق الإصلاح السياسي المنشود.
في مشهد الاحتفال المهيب، لقطات ليست عفوية، فعندما سلم رئيس اللجنة الملكية احمد اللوزي التعديلات الى جلالة الملك، قام بدوره بنقلها الى ولي العهد، الذي سلمها الى رئيس الديوان الملكي، في مؤشر ان هذا العمل التاريخي، ليس مرحليا وانما هو اساس ومنهج الدولة الاردنية، في إطار مؤسسي من رأس الدولة الى كل القنوات الاخرى. وفي المشهد ايضا كلمات معبرة أكدت  أن هذا الانجاز جاء بتوقيت رغدان وليس بأجندة وحساب توقيت آخر، بحيث اختار الاردن ربيعه العربي بالطريقة التي تناسب أجندته الخاصة.

التعليق