سورية: نهاية اللعب على الحبلين

تم نشره في الاثنين 15 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 15 آب / أغسطس 2011. 03:19 صباحاً

يحابي النظام السوري كثيراً من ينظر إليه خارج النظر إلى الأنظمة العربية الدكتاتورية بمجملها. فتحت تأثير حصار العراق حتى خروجه بالاحتلال من منظومة العمل العربي، بدا النظام في سورية موضع تأييد تكتيكي اضطراري شبه جماعي من النخب السياسية في العالم العربي، حيث كانت مصر تخلت عن  دورها الإقليمي، بينما الخليج اختار الانسحاب في ذروة هجوم اليمين الأميركي على المنطقة وإعلانه عن نيته بناء شرق أوسط جديد.
اكتسب النظام السوري مزيداً من شرعية الشارع وتأييده عندما التقط بنجاح رسائل المقاومة العراقية التي أربكت بوصلة القيادة الأميركية اليمينية، وفتحت لحليفته إيران دوراً أكبر على الساحة العراقية، ما فتح المجال للنظام لكسب نقاط لتعزيز بقائه أمام الغرب ودفعه للمزيد من المراهنة عليه، فبادر لأخذ دور إقليمي أكثر تماسكاً بدعم حزب الله في مقاومته للاحتلال الإسرائيلي، فلم تبخل النخب السياسية العربية على النظام السوري بمزيد من التأكيد في ظل نظام عربي منهار. وأصبحت تنظر إليه كنقطة انطلاق لبناء موقف عربي تراكمي أمام مخططات أميركا وحليفتها إسرائيل. ليأتي التحالف السوري مع تركيا "العدالة والتنمية" عاملاً آخر لصالحه لا يقل أهمية عن كل ما سبقه من عوامل.
لكن النظام بدا واضحاً بعد ذلك أنه فعل كل ما فعل من أجل أن يستقر على دور إقليمي يستقي منه قوة واستمرارية في البقاء كهدف وحيد ليس إلا؛ فيبدو ممانعاً أمام الشارع العربي، ومكلفاً بالنسبة للغرب والولايات المتحدة إن حاولا المساس به. والغاية في النهاية المحافظة على بقاء النظام لا أكثر ولا أقل. لعبة توازن هدفها لا يتجاوز خدمة مصلحة النظام والقوى المتحالفة معه على رأس هرم الحكم. المؤشر الأبرز على ذلك الصمت المطبق لجبهة الجولان طوال أربعة عقود، إلى جانب غياب أي جهد إصلاحي سياسي واستشراء الفساد المالي لدى نخبة السلطة وكبار التجار المتحالفين معها.
الربيع العربي كان آخر غطاء كشف النظام السوري. فلا الشعوب العربية عادت تهتم بغير الديمقراطية بجناحيها معاً؛ العدالة والكرامة، ولا الغرب النافذ يقبل أن تفوته الفرصة بوقف النظام عن لعبته لتكريس دوره الإقليمي خدمة لبقائه، وهو الأعلم بذلك أكثر من غيره. كل شيء بدأ بالتغير على وقع ثورات الشعوب العربية، وأصبح أسطع وضوحاً مع حراك الشعب السوري وثورته المتواصلة منذ خمسة أشهر رغم ما يواجهه من قمع دموي.
الشعب السوري الذي ثار لحريته وكرامته، ولأجل مبادئ العدالة والمشاركة في الحكم، قوبل شعبياً بما يستحقه على الساحة العربية. فوجد أمامه نخباً عربية مستعدة للتخلي عن موقفها التكتيكي في تأييدها للنظام، لصالح موقفها الاستراتيجي في الوقوف إلى جانبه مساندة لمطالبه بنظام ديمقراطي يخلصه من الدكتاتورية المقيتة. كما كان من الطبيعي أن يجد قوى غربية جاهزة لاغتنام فرصة لاحت للتخلص من نظام طال وأطال اللعب على الحبلين؛ حبل الممانعة أمام الشارع العربي، وحبل تذكير الغرب بالكلفة الباهظة التي تترتب على محاولة تغييره.
لا يظهر حقيقة وموقف النظام شيء مثلما يظهره موقفه اللاأخلاقي الذي أثبت أنه لا يتردد في قتل الآلاف من الأبرياء الذين يطالبون بحقوقهم من أجل الاحتفاظ بالسلطة. فحرك الجيش، وبالتحديد القطاعات الخاصة منه التي جرى إعدادها لضرب كل من يعارض النظام. وما يزال طوال خمسة أشهر غارقاً بالدماء من رأسه حتى أخمص قدميه، مرتكباً من الجرائم ما لم يرتكبه نظام من قبل، غير مستفيد من تجارب من عاندوا إرادة شعوبهم في الانعتاق من الدكتاتورية والحلم بمستقبل ديمقراطي مشرف للأجيال القادمة.

التعليق