الكرك.. نعناع الأمكنة

تم نشره في الجمعة 12 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً

المكان في الكرك ليس ثمارا مؤجلة، ولا وعودا غائرة في نسغ الحياة الأبله كما يعتقد البعض؛ المكان هنا حامل ومحمول لحياة منذورة للأبهى، يتناول ثمارها المبدعون والعشاق من على شجر الشهداء الأبلغ.
المكان هنا مُشبع بالحكايات، والأساطير، والسنابل، وحداء الحصادين بالهجيني، وزيت الفداء المندّى بلُمح حادة السخرية والوضوح في آن، معتق بالهواجس الباحثة كالضوء عن معانٍ للسعادة وتبديد الظلمة بامتداد الأذان.
المكان هنا تفاعل بين حيوات الثقافة التي يعيشها أبناء الوطن من سكان الكرك؛ توادا وتكافلا مع أنفسهم ومع إخوة لهم قدموا إليها عبر هجراتهم القسرية خفافا نحو وسط القلب الأردني جغرافيا الكرك، فقاسمهم أهلنا المكان وجدا، وعيون الماء حنينا للعودة، ولكن بخؤولة ونبض. وإلا كيف نفهم تميز هذا المكان الضافي بعمق حضوره تسامحا وهوية، فيكون لتضاريس المكان الولود رغم عُسر الجغرافيا معنى التسامح الذي يعتمر القلوب قبل الألسنة؟
ترى كيف لنا أن نقشر معاني المكان أو نفسر عمق حضوره بدون أن نتكئ على جدار للثقافة المنفتحة مدادا للوفاء؟ فلا غرابة هنا أن يُصوت الناس في الكرك لنائب ماركسي الفكر ترشح عن المقعد المسيحي في المحافظة وفاز بأصوات المسلمين.
في الكرك وجوارها ثمة سطوة للمكان، وحضور حاسم لمعاني غدرانه كتعبير عن كل شيء حي: عين سارة، رأس العين ووادي ابن حماد، وليس انتهاء ببركة الكرك القصبة، كمقابل ومغالب للصحراء القابعة في الشرق منها.
في الكرك ثمة عُسر في الجغرافيا باستثناء المعاني المستلهمة من  تجدد الحضور التاريخي للقائد مشيع المؤابي، فغربا قوم لوط ببحرهم الحي ذكرا وذاكرة، ومن فوقه أضواء فلسطين الحضور والحاضرة، وشرقا الخط الصحراوي الجاحد عليها باحتمال وقوف العابرين من عمان إلى "العقبة الخاصة" للتأمل وللسياحة أو حتى لإلقاء السلام، وفي شمالها ثمة وادي أرنون -الموجب- كما ورد في التوراة، وهو موجب للقطع كما اليهود دائما بين الكرك ومادبا الحبيبة قبيل وصولنا لعماننا الكبرى، ومن الجهة الجنوبية للمدينة ثمة مناجم للشهداء في مؤتة المزار وهية الكرك وسلسلة جبال تناغي قلعة الكرك التي وقّعت عليها كل حضارات الأرض حضورا، حجارة ونصوص لقلعة تشبه شاهد القبر متوجها نحو قِبلة رب العالمين.
هنا عُسر في عطاء الجغرافيا ربما؛ ولكن ثمة نبض نبيل في مداد مبدعيها ورجالاتها وأنفاس إنسانها زهوا خاصا، تماما كالاحتفال بالقادم من دفء الوطن الحبيب نحو الصواوين الضافية بالرحابة والترحاب المعتق بالجميد الكركي والمواشي المنتخبة ذخرا لإكرام الأخيار والأحباب من ضيوفها وهم أهلنا دائما.

husain.mahadeen@alghad.jo

التعليق