محمد برهومة

استبدادٌ ذكيّ يلفظ أنفاسه!

تم نشره في الجمعة 12 آب / أغسطس 2011. 02:00 صباحاً

"لا للمذلة"!... هذا الشعار الذي كان "ماركة مسجّلة" لحلف الممانعة، يكتسب اليوم معناه الحقيقي على يد أبطال الشام وثوارها وشهدائها الأبرار، وهو أنّ القضاء على ذلّ الداخل هو الطريق للتحرر من ذلّ الاحتلال، وأننا ننصر فلسطين حقاً حين نكون أحرارا وديمقراطيين في أوطاننا، لا قطيعاً وسبايا في مزرعة من يرفع شعار المقاومة في يد ويطلق من الأخرى وابل الرصاص والإجرام وفائض الوحشية على العزل والأطفال والأبرياء من أبناء وطنه.
وإذا كانت الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن قد انطلقت من العواصم أو المدن الكبرى، فكانت بذلك إلى حد كبير ثوراتُ مركزٍ، فإن الثورة السورية اليوم هي بدرجة أكبر ثورة أطراف، وانتفاضة ريفٍ وهبّةُ منْ هم أكثر تهميشاً وأقلّ حظاً في درعا ودير الزور وحماة وحمص. ولعل هذا ما لفتت إليه أبحاث قدمها ناشطون ومفكرون سوريون اجتمعوا مؤخرا في ندوة "سورية بين خيارات ومصالح القوى السياسية والاجتماعية واحتمالات التغيير" التي نظمها "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في الدوحة. فالتحليل الكلاسيكي غير صالح لمعرفة أبعاد ما يجري في سورية حاليا، فهو ليس صراعا طبقيا مدينيا عنيفا، بل صراع ريفيّ سلميّ، لكنه، وفق الناشط السوري هيثم منّاع، مدنيّ بطبيعته، حيث يستبعد الطائفية والمحاصصة والأقليات التي يستغلها النظام منذ عقود كأدوات لبقائه. وهو أيضا صراع من أجل الديمقراطية وليس من أجل أيديولوجيا؛ وذلك لأنّ الديمقراطية هي الشكل الوحيد القادر على مواجهة الديكتاتورية. وهو أيضا صراع من أجل المواطنة. والحراك الشعبي السوري ينبغي أنْ يحافظ برأي منّاع على ثلاثة مبادئ، هي السلمية، والاستقلالية عن الخارج، والابتعاد عن الطائفية؛ لأنّ استراتيجية النظام السوري في مواجهة التحرك الشعبي ترتكز على محاولة كسر هذه المبادئ الثلاثة.
ومهما قيل من أسباب تقف خلف تأخر وصعوبات تحرر السوريين من نظامهم الوالغ بدمائهم الزكية في عز الصيام والشهر الكريم، فإن هذا لن يزعزع يقيننا بأنّ القصاص من القتلى وبائعي الشعارات لن يكون طويلا. فقبل خمسة أشهر، كان تصوّر أنْ يحدث ما يحدث في سورية اليوم من تحدٍ شعبي بطولي لنظام "يتمزمز" في قهر شعبه من رابع المستحيلات. واليوم، سيُقال الكثير عن أغنياء دمشق وحلب (يتركّز في المدينتين 37% من سكان المدن في سورية) والطبقة البرجوازية الجديدة في سورية التي لا تزال في معظمها  تقف مع النظام وترى أنّ التحوّل الديمقراطي ليس في صالحها. كما سيُقال الكثير عن صعوبات انشقاق الجيش عن النظام، لأنّ الاستبداد في الحالة السورية، كما يقول عزمي بشارة، مغطى بقشرة أيديولوجية. وبرغم كل هذه الأقوال فاليوم سورية، إذا قُدّر لثورتها أن تحافظ على تلك المبادئ الثلاثة، هي سورية جديدة، ولم يقدّم التاريخ، بحسب الاقتصادي السوري عارف دليلة، أي نظام جاهز بديلا عن نظام قائم. والمأمول (إذا لم يبدأ النظام من دون إبطاء تحولا سياسيا باتجاه الديمقراطية وإشاعة الحريات والتوقف عن قتل المعارضين)، أنْ تتمكن الانتفاضة السورية من تفكيك البنية الاستبدادية والقمعية الصلبة للنظام، والتي أقامت نفوذها وحضورها وامتدادها في المجتمع بالاعتماد على فئات اجتماعية متعددة من البرجوازيات الصغيرة والقواعد العشائرية والطائفية المختلفة، الأمر الذي شكّل قاعدة زبائنية كبيرة جدا، وفق تحليل برهان غليون.
يبقى أنْ نقول إنّ حكمة التاريخ تعلّمنا أنّ هذا الاستبداد الذكيّ، مهما "مَانَعَ" ضد انفضاح أمره وانهياره وتفككه، فلن يكون أقوى من ذكاء الشعوب المتعطشة للعدالة والحرية وكرامة الحياة.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق