عيسى الشعيبي

رسالة عزاء إلى هيثم المناع

تم نشره في الجمعة 12 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً

لم يسبق لي التعرف شخصياً على هيثم مناع، لكنني عرفت ما يكفي عن هذه الشخصية الوطنية السورية البارزة من خلال أنشطته كناطق رسمي باسم المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وعبر إطلالاته العديدة ومداخلاته من على شاشات التلفزيون، حيث بدا لي هذا المدافع العنيد عن المساواة والحرية، في كل مرة استضافته قناة فضائية، متحدثاً رصيناً بلا تكلف، ومحاوراً عميقاً تبعث سجالاته الهادئة في نفوس المتلقين درجة رفيعة من الاحترام، حتى لدى خصومه.
ومن خلال الموقع الإلكتروني الخاص به على الشبكة العنكبوتية، عرفت أن هذا الفتى الحوراني الكبير من مواليد درعا العام 1951، لأب بعثي سجن خمسة عشر سنة على أيدي رفاقه، وأنه درس الطب في جامعة دمشق، ثم العلوم الاجتماعية في باريس، وكان عضواً في المكتب السياسي لرابطة العمل الشيوعي العام 1976، حيث لوحق مما اضطره إلى المغادرة بعد عامين. كما عرفت أن هيثم التحق قبل ذلك بالعمل الفدائي الفلسطيني لفترة من الزمن.
آخر مرة شاهدت فيها هيثم المناع على الشاشة الصغيرة كانت قبل أيام قليلة، معقباً على تطور الأحداث السورية الذاهبة نحو نقطة استعصاء شديدة، لكنها واعدة بالتغيير الذي ظل يحلم به السوريون الأحرار منذ عقود طويلة. غير أن الجانب الأهم من إطلالة هيثم هذه كانت تتعلق بحديثه عن أخيه معن مناع العودات، الذي اغتيل وهو يشارك في جنازة كانت تشيّع واحداً من عشرات المغدورين يومياً في ديار تمرد أهلها أخيراً على سلطة الخوف المزمنة.
وفيما كان وجه أخيه الغارق في دمه يحتل نصف مساحة الشاشة، كان هيثم مناع يتابع الحديث عن الواقعة المؤلمة بصوت عميق لم يتهدج إلا قليلاً، وبنبرة بدا فيه الرجل وكأنه قد اجتاز محنته الشخصية برباطة جأش شديدة، حيث أطل متماسكاً بقوة، ومثيراً للإعجاب بشدة، مدركاً لخصوصية تلك اللحظة التي امتزج فيها العام مع الخاص، والألم مع الأمل، ثم انطلق من مخاطبة روح شقيقه إلى مخاطبة رفاقه الثائرين، مشدداً على ضرورة التمسك بالبوصلة.
في تلك الدقائق القليلة، امتنع هيثم مناع عن الاستسلام لمشاعر الثأر، وترفع عالياً عن طلب الانتقام، بل إنه راح يقدم مرافعة بليغة عن سلمية الثورة، وألح كثيراً على تجنب انجرارها إلى لعبة القوة التي يتقن الطغاة، شأنهم شأن المحتلين، استخدامها ببراعة وإتقان شديدين، فبدا كبيراً بحق، متسامياً على الجرح، وهو يبث جرعة عظيمة من التفاؤل بحتمية تحقق الثورة، التي تواصل برهانها على إمكانية مقاومة العين للمخرز وانتصار الدم على السيف.
كان هيثم مناع وهو يقابل عين الكاميرا بشجاعة نادرة كمن كان يلقي كلمة موجزة أمام جمهور غفير حضر لتقديم واجب العزاء بالشقيق الراحل، فراح بأداء إنساني مدهش، وصوت يشوبه التضرع، يقرع أسماع المنصتين في المأتم، وضمائر الهاتفين بالحرية في المحيط المجاور، بل وحتى قتلة معن وحمزة وليال وإبراهيم قاشوش وأكثر من ألفين غيرهم، بالحقيقة المتجلية في رابعة نهار صيف قائظ، وهي أن سورية جديدة تولد الآن من رحم هذه العذابات والآلام، وأن الليل الذي طال أكثر مما ينبغي بات في طور الأفول. والحق، أن تأثري كان بالغاً بوقفة هيثم مناع العصيبة تحت الأضواء، وهو يجاهد في تجاوز ألمه الشخصي، ويقسو على نفسه كثيراً لتبديد أثر ما خلفته الدموع العصية على جوانب مآقيه، وإخفاء نشيجه الصامت على توأم الروح، رفيق الدرب، شقيق الأمل والألم، حين تحدث كمناضل حقيقي يعرف كيف يخاطب الراهن السوري ببلاغة، يمسك على اللحظة السياسية الفارقة، ويهز الضمير الجمعي للأمة، من دون أن يحمل قميصاً ممزقاً، أو يطلب استسقاء الدم بالدم، فاستحق بذلك الاحترام مجدداً وتقديم واجب العزاء الحار والمواساة الشخصية.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال كبير من كاتب كبير لمناضل كبير (محمد سعيد)

    الخميس 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    سلمت يداك أهديت مقالتك للدكتور هيثم مناع فقال لي كبير كاتب هذه الأسطر