محمد أبو رمان

المتسولون في رمضان: أسئلة أخلاقية!

تم نشره في الجمعة 12 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً

تملأ النفس مرارة وألماً تلك المشاهد المحزنة التي نمر عليها في نهار وليل الشهر الفضيل، إذ تصبح "عادة يومية"، في هذه الأيام!
هل أصبح طبيعياً أن نرى أمام كل حاوية قمامة امرأة متشحة بالسواد المتسخ، تفوح منه روائح كريهة، وينام بجانبها طفل صغير، ممدد على حصيرة مقرفة، مكشوف الجسد، بشعر لم يمسه الماء ربما منذ أشهر، وهي تمدّ يدها للناس؟!
أم أصبح طبيعياً أن نشاهد طفلة صغيرة في عمر الورود في آخر الليل تبيع الورود، أو أي شيء بيدها، على أبواب المقاهي، طلباً لمساعدة نقدية "تعيل بها أسرتها"!
أول من أمس كنت متجهاً إلى سيارتي، تفاجأت مع الموجودين، بشخص يسير في الشارع ويداه تبدوان معطلتين عن العمل، يصرخ في الشارع بصوت عالٍ يطالب بأن نساعده، ومعه أوراق يقول إنّها تثبت بأنه محتاج إلى عملية مستعجلة، ولا يملك ثمنها، ويطالبنا بأن نحمي أبناءه!
ويفاجئك أحد الرجال الكبار في السن أمام زجاج السيارة، عند الوقوف على الإشارة، وبيديه أشياء لا تلزمك بحال من الأحوال، ويطالبك أن تساعده بأن يعيل أبناءه، فهم لا يجدون "طعام العشاء".
وهكذا نرى في كل يوم مسلسل التسول الصارخ أو المبطّن الخفي، وأكثر ما يزعج في ذلك أنّ الأطفال أو ذوي الاحتياجات الخاصة هم أبطاله.
هنالك ممن نعرفهم قد حسم أمره وأصدر حكمه القطعي بأنّنا أمام حالات نصب واحتيال وتمثيليات ممجوجة، وبعضهم يتعامل بقسوة مفرطة مع ما يواجهه من هذه الحالات. وهنالك من لا يفكر في الأمر، وربما تجود نفسه لهذا المتسول أو ذاك، "وكفى الله المؤمنين القتال"..
تبلغ هذه المشاهد درجة أعلى لديّ من الألم والحيرة، وتطرح أسئلة أخلاقية لا أعرف إلى الآن إجاباتها!
وللحق، ولأنني أحسن الظن دوماً، كثيراً ما أتعاطف بقدر ما أستطيع مع هذه الحالات، لأنني لا أعتقد أنّ هنالك من يرمي ابنه على ناصية الشارع، أو بجانب القمامة، إلاّ إذا كان معدماً أو ليست لديه وسيلة أخرى حقيقية بديلة عن ذلك.
لكن يبقى سؤال يخالجني؛ فيما إذا كنت، أنا وغيري، نشجّع هؤلاء على هذا السلوك، بخاصة تلك التي تستخدم أبناءها وتنتهك براءتهم وطفولتهم؟! وإذا افترضت أنّ عشرة أو أكثر يومياً قاموا بوضع دينار بجانبها، فنحن نتحدث عن "راتب" موظف حكومي!
في أوقات كثيرة؛ أسأل طفلة تبيع المصحف أو الورود على باب مقهى، عن أهلها، فتجيب أن أمها موجودة بجانب الشارع بقربها، بينما والدها إما متوفى أو بالسجن أو عاجز عن العمل.
ولأننا نعلم أنّ ما يقدم لهذه الأسر من المؤسسات المعنية هي مبالغ متواضعة، فسيكون هنالك "تبرير" أخلاقي لدينا للجوء هذه العائلة إلى هذه الوسيلة، ولمنحها ما نستطيع من مال، فلا أستطيع، لا أنا ولا هي، أن نتجاوز حدود هذه العلاقة العابرة، فتشعر بقليل من الراحة بأنّك لم تشح بوجهك!
بالطبع، الحل هو وجود مؤسسات مجتمع مدني ومؤسسات رسمية قوية وفاعلة تدقق وتضع قائمة بيانات واضحة، لكن إلى حين ذلك، هل لنا خيار آخر أمام هذه المشاهد اليومية، سوى أن نعطي قليلاً من المال ونغرق في حيرة وأسئلة أخلاقية: ما الصواب؟!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق