محمد أبو رمان

نحن وسورية: الجار والدار

تم نشره في الخميس 11 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً

لم تعد الأحداث في الشقيقة-الجارة سورية شأناً خارجياً، بل باتت أقرب إلى مسألة داخلية أردنية، وتحظى بأولوية واهتمام كبير لدى المواطنين والمسؤولين على السواء.
على السطح السياسي، لا صورة تعلو فوق صورة الدماء النازفة من المدنيين والأبرياء، والمذابح في دير الزور وحماة ودرعا وحمص والمدن الأخرى في الشام، إذ تختطف هذه المشاهد أعين الناس وأحاديثهم في أغلب المدن الأردنية، وحتى في أدعية المساجد.
على صعيد المسؤولين والقوى السياسية، ثمة رهانات وحسابات أخرى! فالاستقطاب داخلياً ليس فقط على تصديق رواية الشارع أم رواية النظام هناك، بل على نتائج هذه الثورة وتداعياتها السياسية.
مجموعة من القوميين -لاسيما أنصار البعث السوري، واليساريين- وتحديداً من لهم روابط وصلات تاريخية وسياسية بالنظام هناك، تخشى أنّ زوال النظام السوري بمثابة خسارة كبرى لهم سياسياً وأيديولوجياً، إذ إنّه النظام البعثي الأخير، ورافعة رئيسة لمثل هذه التنظيمات.
في موقف القوى السياسية الأخرى، وتحديداً الإسلاميين وأغلب التيار الإصلاحي في البلاد، فإنّ هنالك سبباً آخر، يقف بعد الجانب الإنساني الصارخ، يدفعهم إلى تأييد الثورة السورية ودعمها، ذلك أنّ نجاحها مؤذنٌ باستئناف مسار الثورة الديمقراطية وامتدادها شرقاً وغرباً، بعد أن عرقلها (حالياً) التعنت الرسمي الليبي واليمني، وهو ما يسير باتجاه معاكس تماماً لرهانات مسؤولين (هنا) بانتكاسة الربيع الديمقراطي العربي.
على النقيض من ذلك السجال الساخن، فإنّ الحكومة تأخذ موقفاً محايداً، وأقرب إلى الصمت، الذي تقبع وراءه قراءة قلقة من الأحداث السورية، وتحديداً تداعيات ذلك إقليمياً.
وبرغم الاختلاف الكبير بين الرهانات الأردنية والسورية السابقة، في سياق المعسكرات الإقليمية- ما قبل الثورة الديمقراطية العربية، إلاّ أنّ ما يتسرب عن كبار المسؤولين يستبطن خشيةً من أنّ انهيار النظام السوري سيخلّف وراءه سيناريو قريبا من "عراق ما بعد صدام" أو "ليبيا 2". وفي حال نجحت الثورة بتجنب ذلك، فإنّ الديمقراطية الجديدة ستأتي بقوى إسلامية إلى مواقع القوة هناك، وستفتح شهية المعارضة هنا إلى سقوف أعلى.
ما يعتبره البعض "انقساماً" أو "استقطاباً" داخلياً أردنياً بين النخب السياسية تجاه الثورة السورية له وجه آخر أكثر دقة وواقعية، إذ إنّه يعكس صعوداً لتيارات إسلامية وإصلاحية- شبابية أخرى تحظى بالحضور الواسع اليوم في الشارع العربي والأردني وانهياراً سافراً لتيارات أيديولوجية أخرى، أغلبها ذات منحى قومي-يساري، تحاول التمسّك بالنظام الوحيد في العالم العربي المتبقي لها، وقد خسرت الشارع، بعد أن كانت في عقود ماضية هي القوى الأكثر حضوراً ونفوذاً فيه.
الاختلاف مع هذه النخب المؤيدة للنظام السوري لا يقف عند حدود "من مع من؟"، بل هو أعمق من ذلك بكثير، فهو ذو طابع استراتيجي وفكري. فمشكلتنا مع هذا الخطاب أنّه يكرر ويجتر الدعاية السياسية نفسها التي تستخدمها الأنظمة وقادت الشعوب العربية إلى الكوارث الحالية.
فتحت عنوان الخطر الصهيوني يتم تبرير الديكتاتورية والقمع والإبادة واغتيال حقوق الإنسان والحريات العامة وحقوق الأقليات والترويج لنظم عسكرتارية، حتى لو طفح الفساد فوق رؤوسها!
هذا المنطق يقفز على جملة صلبة جوهرية في ترسيم مستقبل الشعوب العربية وهي؛ أنّ تحرير الإنسان هو شرط تحرير الأرض، وأن الأنظمة الفاشلة والإنسان المرعوب بمثابة شرط الهزيمة والانكسار. إذا كان الرهان هو على وعي الشعوب العربية، كما يتحدث خطاب المقاومة، فلماذا الخشية اليوم من أن تتحرر هذه الشعوب وتحدد هي أنظمتها وخياراتها الاستراتيجية وتقود معركة التحرير والاستقلال الكامل؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعقيب على المقالة و على تعليق الأخ أبو خالد (مجد)

    الجمعة 12 آب / أغسطس 2011.
    أوافق الأخ أبو خالد في جل ما قال. و أضيف أن حزب البعث الذي حكم العراق و سوريا ليس هو الحزب الفعلي فانقلابات حافظ الاسد و صدام حسين قامت بعزل القوميين الفعليين و بعضهم من مؤسسي الحزب الأساسيين و تم تقليد من دان لهم بالولاء في المناصب الشاغرة. تلا ذلك غسيل دماغ منظم للشعوب العربية مارسته هذه الانظمة حيث أطلقوا على أنفسهم أسماء مثل أبو الشعب و ابو الفقراء و غيرها و تم التلاعب بالمناهج المدرسية لتمجدهم هم وكل من خطى خطوهم. بالاضافة إلى تمثيليات المقاومة و الممانعة و كانوا هم أنفسهم يرتكبون مجازر مثل مجزرة حماة و تل الزعتر و تجارب الاسلحة العراقية على قرى بحالها و الكثير من الحوادث المجهولة. و بعد 40 سنة من كل هذا، سيحدث خلط بالتأكيد بمفهوم حزب البعث و سيلام على أنه سبب ما يحدث مع أن هذا غير صحيح. فالملام الحقيقي هو من شوه هذه الاحزاب و قضى على مبادئها التي جعلت الناس في الستينات ترى في حزب البعث منارة يهتدى بها. أنا غير بعثي بالمناسبة و غير حزبي أساساً ولست أدافع عن حزب البعث خاصة فهناك الكثير من الاحزاب التي تم تطويعها لخدمة بعض المتنفذين. فلست سوى شخص يحب تسمية الأمور بمسمياتها و أعلم أن مقالة السيد محمد أبو رمان ليست بمعرض هذا التفصيل و لكن وجب الذكر للتوضيح.
  • »الطريق الثالث (ابو خالد)

    الخميس 11 آب / أغسطس 2011.
    مشكلة التيارات الايديولوجية القومية واليسارية يا دكتور محمد ليست في الايديولوجيا نفسها بل مشكلتها في انه تم اختطافها من قبل انقلابيين جاؤا للحكم على ظهور الدبابات(مصر,سوريا,العراق)ومارسوا الديكتاتورية وضحكوا على شعوبهم تحت شعار "لا صوت يعلو على صوت المعركة",واقاموا جمهوريات اقرب في طابعها الى ممالك القرون الوسطى,فاستباحوا دماء شعوبهم ومقدراتهم مما اوصل الشعوب الى مقت هذه الايديولوجيا.الانسان العربي يا دكتور تتنازع وجدانه هويتان عربية(قومية) واسلامية(دينية),الانظمة العربيةالفاشلة التي تثور عليها شعوبها الان استغلت "الوجدان القومي" لشعوبها لتبرر وجودها وشرعيتها,والان من يتصدى لجنى ثمار ثورة الشعوب العربية هم من اعتاد على استغلال "الوجدان الاسلامي" لهذه الشعوب والعزف عليه للتأسيس الى شرعية دينية تبرر احقيتها في الحكم وتحويل الانظمة الفاشلة الى أنظمة ناجحةوتحرر الانسان العربي وتحول الهزيمة والانكسار الى انتصار,ولكن كلنا نعرف ان هذه شعارات وستبقى شعارات ولن توضع موضع التنفيذ,لأن شواهد الحاضر تخبرنابأن الدولة الدينية لن تقل دكتاتورية وبطشاً بمن يخالفها الرأي(ايران الخمينية,افغانستان طالبان,سودان البشير ,غزة الحماسية).التيارات الاصلاحية يجب ان تبحث عن طريق ثالث حتى لا تذهب ثورتهم هباءا.