حنان كامل الشيخ

في قاعة المحكمة

تم نشره في الثلاثاء 9 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 9 آب / أغسطس 2011. 03:08 صباحاً

اتكأت السيدة الوقور على الحائط المقابل لقاعة المحكمة، التي ستنظر في قضيتها بعد قليل. حاول أحد المراجعين إجلاسها مكانه، على المساحة الضيقة التي سنحت له بين رجل وسيدة أخرى، لكنها رفضت بأدب متعللة بعدم الشعور بالتعب. كانت تكذب طبعا!
نظرت إلى سيدة متشحة بالسواد، تعصر بين أصابعها بقايا منديل ورقي لم يكفكف دموعها التي استوطنت خديها، تحاول منع طفلها الصغير من الركض بعيدا عن الرواق الطويل.
كان الصغير يشبه ابنها كثيرا في سماره وشقاوته، قبل أن يشب طويلا وعريضا وجميلا ورياضيا ومتفوقا في دراسته، ثم ناجحا في شغله ومحط إعجاب الأسر والصبايا، ثم رجلا متزوجا وأبا لطفلتين رائعتين و.. جاحدا!
عادت بها الذاكرة إلى الوراء، ورأت نفسها تقف أمام سبورة الصف، وبيدها كتاب، تقرأ منه بصوت عال: "ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما"، من يشرح لي هذه الآية؟. كان إصبع الصغير يسابق باقي الأصابع، وكان يحاول أن يقفز من مكانه حتى تنتبه له، وتمنحه فرصة للإجابة، لكنها كانت تتجاوزه عمدا، لتسمع من آخرين. لكنه في ذلك اليوم كان يمتلك إصرارا عجيبا على المحاولة الحثيثة، فاضطرت أن توقف إزعاجه مؤقتا. وقف الصغير النظيف والمرتب أمام عينيها مباشرة وقال لها يومها وبالصوت الحاد: "أنا عمري ما قلتلك أف يا ماما "! ضحك الأولاد وابتسمت هي، وعادت تسأل من جديد...
عملت هذه السيدة مدرسة لمادة اللغة العربية للصفوف الأساسية، لخمسة وعشرين عاما سرقت منها شبابها وعنفوانها وصوتها ولياقتها وحقها في اختبار حياة جديدة، بعد موت زوجها، وتحملها لمسؤولية طفل لم يتجاوز عمره العامين. رفضت كل فرص الحياة المتاحة، وتقبلت نصيبها بإيمان مطلق وعزم شديد على تربية ابنها الوحيد، وتنشئته على الأخلاق الطيبة. دللته كثيرا ولم تحرمه أي طلب كان يؤشر عليه، ظنا منها أنها تعوضه بحنانها المفرط ومالها الذي تبعثر على مطالبه التي لم تتوقف، من غياب أبيه القصري. اعتبرت أنها الأب والأم في آن، ولم تسمع نصائح المخلصين أنها وبانصياعها التام لأوامره، إنما تبعده عنها وتفقده إلى الأبد. حتى عندما تنازلت له عن مكافأة نهاية الخدمة، ليبدأ مشروعه الخاص، لم تستمع للنصيحة!
وها هي اليوم تتأبط ذراع المحامية الشابة، التي أقنعتها بضرورة رفع قضية نفقة عليه، بعد أن بالغ في اهماله لها، لدرجة أن الدواء الذي كان يرسله مع بنتيه إليها، انقطع هو الآخر.
بالنسبة لها كان مهما أن تقف أمامه بطولها الذي احناه الدهر لتقول له: أف!
لم تنته القصة بعد، وربما لن تنتهي. إنما حين قرأت خبرا أعدته الزميلة رانيا الصرايرة عن أمهات وآباء يرفعون قضايا نفقة على أولادهم، لم يدهشني الرقم، بقدر ما آلمني أن يتفق ثلاثة وأكثر تحت هذه السماء، على الإساءة إلى خريف عمر ضاع من أجل ربيع أعمارهم هم .. يا للخسارة!

hanan.alsheik@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عقوق الوالدين؛ خيانة كبرى (حمزة مازن تفاحة)

    الثلاثاء 9 آب / أغسطس 2011.
    أتعلمين يا ست حنان الشيح ..
    أنا لا تقلقني هذا الحالات، ولا تستدعي اندهاشي بقدر ما تثير "فضولي" ازاء هذا النوع من العقوق الذي أخذ ينتشر كالعدوة، بعدما تناسينا " وقل ربي ارحمهما كما ربَّياني صغيراً"!
    لكن ما يُعزيني ويربت علي كتفي ويهدهدني أنَّ كل هؤلاء الظلَّام الذين يملؤن هذه الأرض، ثمة يوم أسود ينتظرهم!
    أنا مُمتن لله كثيراً لأنَّه خلق "الموت"! صحيح أنه في كثير الحالات يأخذ أناس نحبهم أكثر من عيوننا، لكن بالمقابل يُبعِد عن أعيُننا كذلك أشخاص لا نحبهم .. ليس هذا فحسب، الجميل في الأمر أنَّ الموت أول الطريق إلى المُحاسبة والإدلاء بالاعترافات المُخجلة .. يااااه ما أجمله من موقف عندما يقف أحدهم بين يديّ الله وقد "خَذل" والديه في الدنيا .. يا سلاااام كم سأكون مُنتشياً ومُتشمتاً لحُمّرة الخجل التي ستعتلي وجهه ولحجم الفضيحة التي تكون قد توزعت على الخلائق!
    وقتها كل ما أوده وأريده من الله .. أن يسمح لي بالاقتراب من هذا العبد"المفضوح" .. وأشمطه كفاً ع رقبته، مع اتبعه بشتيمة يستحقها هذا الخائن!
  • »عقوق الوالدين؛ خيانة كُبرى! (حمزة مازن تفاحة)

    الثلاثاء 9 آب / أغسطس 2011.
    أتعلمين يا ست حنان الشيح ..
    أنا لا تقلقني هذا الحالات، ولا تستدعي اندهاشي بقدر ما تثير "فضولي" ازاء هذا النوع من العقوق الذي أخذ ينتشر كالعدوة، بعدما تناسينا " وقل ربي ارحمهما كما ربَّياني صغيراً"!
    لكن ما يُعزيني ويربت علي كتفي ويهدهدني أنَّ كل هؤلاء الظلَّام الذين يملؤن هذه الأرض، ثمة يوم أسود ينتظرهم!
    أنا مُمتن لله كثيراً لأنَّه خلق "الموت"! صحيح أنه في كثير الحالات يأخذ أناس نحبهم أكثر من عيوننا، لكن بالمقابل يُبعِد عن أعيُننا كذلك أشخاص لا نحبهم .. ليس هذا فحسب، الجميل في الأمر أنَّ الموت أول الطريق إلى المُحاسبة والإدلاء بالاعترافات المُخجلة .. يااااه ما أجمله من موقف عندما يقف أحدهم بين يديّ الله وقد "خَذل" والديه في الدنيا .. يا سلاااام كم سأكون مُنتشياً ومُتشمتاً لحُمّرة الخجل التي ستعتلي وجهه ولحجم الفضيحة التي تكون قد توزعت على الخلائق!
    وقتها كل ما أوده وأريده من الله .. أن يسمح لي بالاقتراب من هذا العبد"المفضوح" .. وأشمطه كفاً ع رقبته، مع اتبعه بشتيمة يستحقها هذا الخائن!
  • »هذه القصة نقطة في البحر (عاتكة الشوا)

    الثلاثاء 9 آب / أغسطس 2011.
    صباح الخير يا ابنتي و كل عام وانتي و اهلك بخير ، هل تذكرين صديقتك ام نبيل ؟ لقد شدني مقالك هذا الصباح والذي يلامس الوجع في القلوب ادعو و لكي بالتوفيق لكتاباتك المبدعة.
  • »العقوق اخطر الامراض الاجتماعية (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الثلاثاء 9 آب / أغسطس 2011.
    نقول ان الله يحاسب الجميع يوم الاخرة .بينما الطريق الى الاخرة قاسية مضنية وطويلة ، تلوع القلب ، وتدمر حياة اناس ابرياء، وتسلب كبريائهم ، وتمزق كرامتهم ، وتشتتهم من اعشاشهم . وبدلا من ان يكونوا اسياد أنفسهم يصبحون ينتظرون الرحمة والشفقة من الاخرين ..العقوق هو احطر امراضنا الاجتماعية التي بلينا بها .وهي التي نحرق حياة الوالدين ، وتجعلهم يتمنون الموت على الحياة .فيا اديبتنا الشابة الوفية استمري في الكتابة عن هذه الآمراض الاجتماعية علها تجد بعض الاذان الصاغية
  • »الوالدين هما الاحق (البار بوالديه)

    الثلاثاء 9 آب / أغسطس 2011.
    هل عقوق الوالدين هو سنة من سنن الحياة يفطر عليها البشر؟(جوابي هو نعم).وهل اكرام الانسان لأبيه وأمه هو الاستثناء وليس القاعدة؟(جوابي هو نعم).وهل الابناء والبنات والزوجات(الازواج)أهم من الوالدين؟(جوابي هو لا اعلم لأني لست متزوجا ولا ابناء اوبنات لي).منذ ان بدأ البشر يدونوا ويكتبوا ومنذ ان ظهرت الاديان بدأنا نعرف ان العقوق هو صفة لازمت البشر وإلا لما حظت الاديان على اكرام الوالدين والبر بهم وجعلت هذا الامر جزء من العقيدة لا بل ربطت رضى الله برضى الوالدين وجعلت الجنة تحت اقدام الامهات,اذا لماذا رغم كل ذلك يقوم الابناء بأهمال والديهم والتنكر لهم؟في الحقيقة,أعتقد ان هذا الامر فطري ومتأصل في النفس البشرية الساعية دائما الى الامام ولا تحب الالتفات الى الماضي,وقد شكل لي هذا الامر هاجسا,فكل من رأيتهم وعرفتهم وسمعت عنهم من الافراد المتزوجون(وهم كثر جدا) ,انهم كانوا بطريقة او أخرى وبدرجات متفاوتة مهملين تجاه والديهم وكانت اولوياتهم دائما تجاه زوجاتهم وابنائهم.لهذه الاسباب قررت ان لا اتزوج وأن ارعى والداي المريضين ,لأني خفت ان تزوجت ان اصبح كمن عرفتهم واهمل والدي,وها انا الان تجاوزت الخمسين من عمري ولكني راضي عن نفسي تمام الرضا بأني كنت ابنا بارا لأبي ولأمي (رحمهم الله) ولم أقصر في يوم من الايام في خدمتهم فلم يشغلني عنهم لا زوجة ولا ابن ولا بنت.