هل تتآكل الثورة الليبية؟

تم نشره في الأربعاء 3 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 3 آب / أغسطس 2011. 03:34 صباحاً

مرحلة حرجة دخلتها الثورة الليبية بعد الاغتيال الغامض الذي تعرض له اللواء عبدالفتاح يونس رئيس هيئة الأركان العامة لجيش تحرير ليبيا الحرة الموالي للثوار، والذي كان قبل اغتياله قد خضع للتحقيق بتهم القصور في التسليح والاتصالات. لكنها بكل الأحوال تهمة لا ترقى إلى مستوى الخيانة، فإذا أصبحت الثورة تأكل أبناءها بهذه الطريقة فلنقل: العوض بسلامتكم وسلامة الدم الذي أريق في ليبيا منذ 17 شباط (فبراير) الماضي.
إذا صح ما أشيع عن اغتيال يونس من أنه تعرض للذبح بعد قتله رمياً بالرصاص في الرأس والصدر، فإننا نكون أمام ثورة رجعية فاشيّة، تسرّب لها فكر "القاعدة" وممارسة مشايخها الذين يؤمنون بذبح البشر على طريقة الذبح الإسلامية للأنعام، وبالتالي لن يكون لها في يوم من الأيام أفق تسير نحوه.
الأزمة الليبية دخلت في خطة جديدة نقلها عبدالإله الخطيب مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، وتنص على وقف النار وبدء مرحلة انتقالية يتشكل فيها مجلس رئاسي انتقالي من خمسة أشخاص، ويضم مناصرين للقذافي والثوار، ولكن لا علاقة للقذافي وأبنائه به مباشرة، وذلك لإدارة شؤون البلاد خلال فترة لا تتجاوز 18 شهراً.
في الآونة الأخيرة كثر الحديث عن ضرورة البحث عن مخرج سياسي للأزمة الليبية على خلفية الطريق المسدود الذي بات يواجه الخيار العسكري من دون قدرة أحد الطرفين على الحسم فيه، حيث استقرت الجبهة العسكرية في خطوط مواجهة شبه ثابتة تدل على استحالة حسم الصراع القائم عسكرياً، مع تأكيد دولي واسع على رفض التدخل العسكري المباشر على الأرض لحسم الموقف (على غرار غزو العراق العام 2003).
رفض القذافي التخلي عن السلطة، وسعيه المحموم للقضاء على الاحتجاجات المعارضة لحكمه بكامل آلته الحربية العاتية، هو ما جعل العمل العسكري بمثابة ممر إجباري أمام الانتفاضة للضغط عليه، إلا أن هذا الخيار أضحى يواجه باعتراف القادة العسكريين الغربيين أنفسهم، طريقاً مسدوداً لا جدوى من المضي فيه.
وقد ساهمت في الوصول إلى هذه النتيجة عوامل عدة؛ أبرزها ضعف الثوار الليبيين وافتقادهم إلى الخبرات والمهارات القتالية، فضلاً عن افتقادهم إلى وجود مؤسسة عسكرية موحدة يسود بين أفرادها التنسيق والتفاهم، وكذلك ضعف الأداء العسكري لـ"الناتو"، وسوء حساباته لقدرات وإمكانات نظام القذافي، ومن ثم ارتباكه الواضح في إدارة الحملة العسكرية الجوية، ووقوعه في العديد من الأخطاء. ومن المعروف أن معظم دول الحلف رفضت المشاركة في الحملة، التي اقتصرت أخيراً على أميركا وبريطانيا وفرنسا والنرويج والدنمارك. وحتى هذه الدول شاركت بعدد محدود من الطائرات والأعتدة العسكرية. وقد انعكس هذا الضعف العسكري للناتو على المواقف السياسية للأطراف الغربية المشاركة على نحو بات يهدد الإجماع الغربي حول ضرورة تنحي القذافي، تمهيداً للوصول إلى تسوية سياسية تحقق الانتقال الديمقراطي.
كما أن امتداد عمر الحملة زمنياً أدى إلى بروز حالة من الرفض للعمل العسكري في ليبيا لدى الرأي العام الغربي، وتحولت القضية إلى ورقة انتخابية تتجاذبها أطراف المعارضة في عدد من الدول الأوروبية لإحراج الحكومات وتسجيل نقاط سياسية ضدها. فعلى سبيل المثال، في الولايات المتحدة واجه الرئيس الأميركي باراك أوباما معارضة الكونغرس للمشاركة الأميركية، وسحبت النرويج طائراتها الست بعد نجاح الحزب المعارض في إحراج الحكومة وإضعاف موقفها داخل البرلمان. أما في فرنسا، فإن الرئيس ساركوزي تحدوه الرغبة في الانتهاء سريعاً من الحرب حتى لا تعيق جهوده في الفوز بولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.
الحديث المتواتر من قبل مسؤولين غربيين ونظرائهم الليبيين عن احتمال التوصل إلى حل سلمي لا شك أن له ما يبرره، ويشي بأن أمراً ما يجري وراء الكواليس.
السؤال الآن هو: هل ستفلح الجهود المبذولة للتسوية السياسية في ليبيا قبل انتهاء التفويض الممنوح للتحالف الغربي بالتدخل العسكري لحماية المدنيين في أواخر شهر أيلول (سبتمبر) المقبل، أم سنشهد فصولاً جديدة من الأزمة الليبية المستعصية على جميع أطرافها عسكرياً؟

osama.rantisi@alghad.jo

التعليق