تعذيب في شرق المتوسط

تم نشره في السبت 30 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

ما من أمة استطاعت التعايش مع التناقضات مثلما نفعل نحن العرب، فنحن نرفع شعار التحرير، وننخرط في مفاوضات السلام، ونعلي قيم الحرية في الإذاعات والصحف، ونطرح عطاءات البناء.. لتوسيع السجون، وتنشغل عواصمنا في المؤتمرات والندوات المتخصصة في الديمقراطية، ونحجب أصوات المستقلين، ناهيك عن المعارضين.
قبل أيام، أدهشني معلق سياسي سوري مقرب من حكومته بجرأته ووضوحه في الكذب. قال الرجل، الذي كان يشارك في برنامج تلفزيوني يحظى بنسبة مشاهدة عالية: لدينا نموذج ديمقراطي متفرد يحسدنا عليه العالم. وأضاف: أتحدى الأميركان والإنجليز والفرنسيين أن يقدموا ما يثبت اقتراب ديمقراطياتهم من مستوى الحرية في بلادنا.
بالطبع، ضحكت، وأعتقد أن الكثيرين ممن كانوا يتابعون البرنامج ضحكوا حتى استلقوا على ظهورهم.
ربما كان من حسن حظ الأميركان والإنجليز والفرنسيين أنهم "متخلفون" وعاجزون عن الارتقاء إلى مستوى الحرية في بلاد الأستاذ، حيث تقام السجون تحت الحدائق العامة، ويطغى أنين المعذبين في الزنازين على همسات العشاق وهم يحفرون أسماءهم على الأشجار. لكن هذه السجون تظل سرية ولا يعرفها غير من اقتيد إليها معصوب العينين، ومن يقبع في زوايا عتمتها الآن. وستظل سرية لا يصلها الصليب الأحمر الدولي ولا وفود منظمة العفو الدولية أو لجان حقوق الإنسان.
قبل "غوانتانامو" بسنوات كثيرة، بنيت "غوانتاناموات" شرق أوسطية كثيرة، سكنها آلاف الضحايا الذين قضوا بسبب التقدم في العمر أو التقدم في فنون التعذيب، ومن خرج من هذه السجون حيا، كان معطوب الذاكرة والجسد، وعاجزا حتى عن سرد روايته. ولم يكن ما كتبه الروائي الراحل عبدالرحمن منيف عن شرق المتوسط محض خيال، بل هو بعض من شهادات من تقاعدوا من مهنة القمع، وصاروا يستعيدون التجربة شفاهة بمتعة كبيرة، فكشفوا تفاصيل تقشعر لها الأبدان عما كان وما يزال يجري في المعتقلات. ولأن لدى العرب نموذجا ديمقراطيا متفردا، وحريات سياسية وإعلامية يحسدنا عليها الغرب، غابت شهادات الضحايا عن صفحات الجرائد وعن شاشات التلفزيون، وظلت محشورة في الروايات القليلة التي اقتحمت عالم السجون ووثقت، إبداعيا، فظائع التعذيب، فقرأنا "شرق المتوسط" و"شرق المتوسط مرة أخرى" لمنيف، ورواية السجن لنبيل سليمان، وقصصا قليلة لمحمد الماغوط وسحبان السواح. ومن قرأ هذه الأعمال يعرف جيدا ثمن الحب من طرف واحد لبلاد تحب أبناءها حد الإصرار على دفنهم في ترابها... بعد الموت، وقبله أحيانا.
لا نبالغ، ولا نتوقع تعميم النموذج السويسري في المنطقة العربية، لكن ما يستفز الروح ليس وجود القمع المتجسد بكل هذه الوحشية، فهذا أمر تعودنا عليه، ولا نرى له نهاية قريبة، أو تغييرا غير تطوير أدوات القمع ووسائله. ما يستفزنا هو الاستخفاف بذكاء الناس وبذاكراتهم، حين ينفي مسؤول حكومي وجود معتقلين سياسيين في سجون بلاده، ويعود المسؤول إياه بعد أقل من شهر ليعلن الإفراج عن عشرات المعتقلين السياسيين تجسيدا للتسامح والإيمان بالحرية والممارسة الديمقراطية.
المشهد مستفز حد الغضب، فالمسؤول يظهر على الشاشة في المناسبتين مرتديا البدلة نفسها وربطة العنق نفسها، وذات الابتسامة الصفراء المعبرة عن اعتداد بالنفس يتكئ على ثقة مطلقة... بالشرطة. والمذيع، هو المذيع ذاته الذي يقرأ خبر النفي متجهما ويقرأ خبر الإفراج مبتسما! وعلينا أن نصدق التصريحين.
من يعش رجبا يرَ عجبا، ولعل "رجب" بطل رائعة منيف "شرق المتوسط" ما يزال حيا ليروي لمن يدبون على الأرض ما رأى من عجب تحت الأرض، ويهتف ضد النموذج الديمقراطي العربي المتفرد.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »من هو الصادق؟ (ابو خالد)

    السبت 30 تموز / يوليو 2011.
    هذا السياسي السوري المقرب من حكومته يمارس ما يسمى ال Fundamental Attribution Error اي (الخطأ المبدئي بالتسبيب),فالنظام في سوريا ممتاز وديمقراطي ويحسدوا عليه من قبل الغرب لأنهم (اي جلاوزةالنظام السوري)تعبوا وكدوا وشقوا شقاءا كبيرا وهم يبنوه اما ديمقراطية الاميركان والانجليز والفرنسيين فهي ديمقراطية جاءات معهم هكذا بالصدفة وبدون تعب لأنهم محظوظين وليس لأنهم اكفاء.
  • »black comedy (Joody)

    السبت 30 تموز / يوليو 2011.
    good morning >>>> u r amazing ..... i loved every single word u wrote Mr Abu 7ijleh >>>>> wut u have described is called black comedy ..... its really wut do we experience daily !!!!