"عمّان" وأخواتها

تم نشره في السبت 30 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

عمّان كبرى شقيقاتها، وواسطة العِقد، ومدينة التعددية بإيحاءاتها وتلميحاتها وتصريحاتها الكثيرة والوافية، وهي بذلك قامت، دائماً، بما أملاه هذا الدور من استحقاقات، وما أوجبه من حنوّ وحكمةٍ وتفهّم.
فلم تردّ عن مائها وارِدا، ولم تُغلق بابها ليلةً في وجه واحدٍ مِن قُصّادِها، فكانت بين محافظات البلد هي الأكثر انهماكاً بصناعة الهُويّة المدينية الحديثة، التي تحتضن الآخر وتتولاه بالحبّ وتفرد له ركبتها، لكنها لا تذوب فيه تماماً ولا تُذوّبه الى حدّ محوه، ليتخلّق لاحقاً للعاصمة هذا الوجه العروبي السَمح المتعدد اللهجات والضحِكات والأنساب، في الوقت الذي لم تنشغل أيضاً بقوميتها عن وطنيتها فظلّت تقوم بما أوجبه دور "الأخت الكبرى" للمحافظات الإحدى عشرة، فلم تَكسل ساعةً عن مهامها الوطنية والاقتصادية والاجتماعية كمدينةٍ كبرى قبل أن تكون عاصمةً، ولم تَغفل ليومٍ عن محنةٍ صابَت أو همٍ لحق بواحدةٍ من مدن البلاد، فكانت تُرسل كفّها الوافرة قبل أدعيتها، وتظلّ ساهرةً حتى يتعشّى آخر طفل جنوبي، وحتى ينام آخر حقل قمحٍ في الشمال!.
ليس لعمّان مِنّة على أحد أو على بلد، فهذا شأن الشقيقات إذا كبرن؛ تولّين أفراد العائلة جميعاً بالمحبة، ويبقين رغمها يشعُرنَ بالقصور، فلا تتوانى العاصمة عن دفع ضرائب "المنزِلة" التي أنزلتها إياها الجغرافيا وأسكنها فيها التاريخ، وتظلّ تنهض كل صُبحٍ لتتفقد جدول أعمالها؛ ويظلّ ساكنوها على أهبة الحبّ، ليتشاركوا في النهار طَعمَ النهار وطعامَهُ مع زوّار عاصمتهم الذين يَصِلونها فجرا ويغادرونها عَصراً، .. لا أحد في عمّان يقول عمّان لي.. عمّان وحدها تقول: كُلّكم لي!
يحملون لها اللبنَ المُصفّى والقمحَ المُنقّى فترسل لهم أحدث أجهزة الكمبيوتر المحمول، ويُسمّون شارعاً باسمها فتضيؤه، هكذا هي علاقة العاصمة بالمدن، يدفع الناس ضريبةً على فاتورة الكهرباء اسمها "كهربة الريف" وهم في أغلبهم لم يروا الريف مرّة ولو من باب السياحة، ويدفع الريفيون ضريبة "المجاري" التي لا يعرفون بالضبط الى أي مُستقرّ تجري!
هي علاقة التكافل والتشارك وصناعة وطن، وليست "المصالح" أو المقايضات، لهذا ليس من المتوقع أن تنجح الأصوات التي تخرج سرّا وجهراً بين حينٍ وآخر تحاول تحريض الشقيقات على الكبيرة بينهن، أو تسيء لنهر المحبة الصافي الذي يلظم الخرزات الإحدى عشرة، فـ "عمّان" ليست ضيفةً على بلدها، ولا طارئةً، ولم تسكن في العاصمة أمس!
وليست بريئة أبداً، ولا وطنية بالمرّة، هذه الأصوات والخطابات الهوجاء النشاز التي تحاول إقناع البعض أن عمّان تأكل حصّة شقيقاتها، وأن عمّان أقلّ "وطنيةً"، أو أن "عمّان" أقلّ أخلاقاً!!
الحكيمون خارج العاصمة يعرفون جيداً أن "العاصمة" في أي بلد هي مختبر حقيقي لصناعة الوطن وصوغ مشروعه المديني المتحضر، وأن مفردات هذا المشروع ومكوّناته هي كلّها من حقولهم ومن قراهم ومن أثوابهم وليست هجينةً وليست غريبة وليست تنام على ضُرّ يمسّهم.
ومن البائس والمقيت أن ينهض البعض لإقناع البعض بأن ما فقدوه في شارعٍ مُعتمٍ سيجدونه في شارع مضاء ولكن في مدينةٍ أخرى!
وليس دفاعاً عن سياسة البطر والترف أو انتقاصاً من حُرقة الجوع ومسغبته، لكنه من المعروف في السياسة والاقتصاد أن العاصمة قد تشبع أحياناً في حين تجوع (بعضُ) مدن أخرى أو أطراف.. لكنها إن جاعت العاصمة جاعت كل المدن وكل الأطراف!

التعليق