علاء الدين أبو زينة

الجوع والسلاح!

تم نشره في الجمعة 29 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 29 تموز / يوليو 2011. 03:34 صباحاً

لم يعد مشهد الموت البشري الهائل يثيرُ فينا عاطفة مميّزة، فقد أصبح أكثر اعتياديّة من أن يُلاحظ. ومعَ ذلك، لا يرغبُ أحدٌ حتماً في رؤية المشاهد التي تعرضها منافذ الأخبار عن ضحايا الجوع في العالم، ومعظمهم من الأطفال. وتذهَبُ الأفكار بالمرء لدى رؤية هذه التقسيمة غير المفهومة والظالمة جداً إلى مساءلة جوهر الإنسانية نفسَه، والشكّ بكل المقولات التي امتدح بها البشرُ أنفسهم بوصفهم النّوع الأرفع من الكائنات.
أمامي صورة استخرجتها من محركات البحث لأرفقها بتقرير عن الجوع في القرن الإفريقي: طفل صغير جداً، جالس في إناء بلاستيكي مكسور في عراء ترابي. يداه النحيلتان جداً تتكئان على الإطار المستدير، نابتتان من جذعه الضئيل الذي تظهر خطوط قفصه الصدري من تحت الجلد. وبشكل عجيب، يحمل هذا الجسد رأس الطفل الذي يعادل حجم الجسم، وفيه عينان تنظران إلى فوق من تحت جبهة مخططة بالغضون ورأس حليقة. ولا تقول النظرة في العينين شيئاً، وإنما تطرح أسئلة معذِّبة مليئة بالحكمة، بالدهشة، بمحاولة الفهم، أو بعتب بليغ لا أستطيع أن أصفه. ولا أعرف إذا كان هذا الطفل ما يزال حيّاً، أو أنّه سيتمكن من العيش حتّى يفهم.
تقول التقارير المفجعة عن الجوع في القرن الإفريقي، إنّ الأمهات هُناك يمارسن "القتل الرحيم"، حينَ يدفع الألم بالأمّ التي تشاهد عذابات صغيرها المتضوّر جوعاً إلى إنهاء عذابه بيديها. والطريقة هي أنْ تتركّه في الصحراء وتمضي، ربّما لتحتفظ باحتمال أن ينجو بمعجزة ما؛ وبإحساس أنّ جزءاً منها ربما يكونُ حيّاً في مكان ما، وربّما تلتقي به بطريقة ما.
أفكّرُ في ضمير العالم، المزدوج والمنحرف. في مشهدين: التباكي على المدنيَين الليبيين و"التبرّع" بأثمان الأسلحة الهائلة لشراء الحياة لهُم؛ وإدارة الظهر عن الجهة الأخرى التي يمُوتُ فيها الأطفال جوعاً بسبب تآمر الطبيعة مع جشع البشرية وغريزة الاستئثار. وكانت شكوى منظمات الإغاثة المستمرة هي عدم وفاء الدول الغنية المانحة بالتزاماتها المالية لشراء القمح والدواء لهؤلاء الأخيرين. وأتصّور أثمان الأسلحة التي تُصرف على قتل أناس بدعوى إنقاذ الناس، بل وبأثمان تلك التي تزدحم بها ترسانات الحكومات والدول في كل مكان من العالم، أيضاً لشراء بقاء الناس باحتمال قتل الناس، أو ببساطة لقتل الناس حتى تبقى الأنظمة. ماذا لو لم يكُن هناك سلاح، واستُخدم المالُ المُنفق في تطويره وتصنيعه وشرائه وبيعه في شيء مُختلف؟ كمْ طفلاً كان يُمكن أن ينجو من احتضار الموت احتراقاً في جحيم الصحراء بثمن صاروخ "كروز" تلقيه قاذفة على عجل ليُنبتَ الخراب؟
أسئلة مثالية، لا تغيّر شيئاً من قتامة الخبرة البشريّة التي لا تُفسح مكاناً للحالمين. والمُعادلة الواقعية هي أنّ السلاحَ ضروري لبقاء النوع البشري، بمعنى بقاء الشعوب التي تمتلك الأدوات واللغة لتعريف نفسها بأنّها النوع البشري الصافي المتطهر من بدائية ووحشيّة قاطني الجنوب والأدغال. أمّا إنقاذ الناس من أيّ شيء، فليس بلا ثمن في زمن عَملي، ولذلك ينقذون النّاس من الأنظمة في العراق وأفغانستان وليبيا شريطة استرداد ثّمن السلاح، نفطاً وهيمنة واستعباداً. وما الفائدّة من إنقاذ الصوماليين الفائضين عن حاجة العالم؟ ولماذا يُرسل الجنود والعربات لفتح الطريق أمام النوايا الطيبة ورغبة المساعدة، في جُهد لا يُجدي ولا يَنعكس أرقاماً في الدفاتر التجارية؟
لسبب ما أصبَحَت كارثة القرن الإفريقي تجد لها مكاناً بين عناوين الأخبار عن القتل الآدميّ اليومي. وربّما تسترق لنفسها حضوراً وجيزاً في الواجهة حتّى تدفعُها الأخبار الأخرى إلى خلفيّة المشهد ثانية. والحلولُ التي يطرَحُها المحللون كلها تقريباً تبدأ بكلمات: "يجب"، "ينبغي"، و"من المفترض". وأنا أيضاً، لا أشعُرُ بأنني أفعلُ شيئاً أو أستطيع أن أفعلَ غير التمنّي؛ والكتابة عن شيء ربّما يستدعي عاطفة إنسانية في زمن يهيمن فيه السلاح، وتغادر فيه العواطف مُخلية مكانها للنظرة المتسائلة التي تحاول الفهم في عينيّ الطفل الإفريقي!

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »>>>>>> (هيثم الشيشاني)

    الجمعة 29 تموز / يوليو 2011.
    للأسف تخدرنا ، تخدرت قلوبنا قبل عقولنا ...
  • »لتعرف الشخص عليك معرفة أصحابه (كريم)

    الأربعاء 27 تموز / يوليو 2011.
    أدهشنا مروان المعشر برسالته التي كتبها مع وزيرة الخارجية السابقة مادلين البرايت يدين فيها وحشية النظام السوري بينما لم يتنازل المعشر ان يدين وحشية النظام الأمريكي في العراق برسالة مماثلة وكلنا نعلم ان مادلين البرايت اشرفت على حصار امريكي على العراق ساهم في قتل اكثر من مليون طفل عربي بسبب الأمراض والمجاعة. وهذا مقتطف من مقابلة شهيرة للوزيرة الأمريكية تسألها مذيعة امريكية عن مقتل مليون طفل عراقي بسبب الحصار وحسب دراسات الأمم المتحدة فأجابات البرايت بان هذا مقبول. اليس توقيع رسالة مع مجرمة الحرب البرايت تثبت ان المعشر لايهمه مشاعر الأردنيين ولكن كل مايهمه مشاعر الأمريكان. خليه بأمريكا.

    Lesley Stahl on U.S. sanctions against Iraq: We have heard that a half million children have died. I mean, that's more children than died in Hiroshima. And, you know, is the price worth it?

    Secretary of State Madeleine Albright: I think this is a very hard choice, but the price--we think the price is worth it.

    --60 Minutes (5/12/96)
  • »نريد مبادئ لاإنهازية (مريم)

    الأربعاء 27 تموز / يوليو 2011.
    موقع للسفارة الأردنية في أمريكا وفيه بيان صحفي عن خطاب مروان المعشر للوبي الصهيوني ابان إحتفاله بعيد إسرائيل ال 50 طبعا الكلام المعسول الموجه للجمهور العربي بالبيان لايذكر ما قاله المعشر في المؤتمر الصهيوني ووالذي فيه تملقا وتذللا للصهانية. المعشر يتم تحضيره لمنصب قيادي إما رئيس وزراء او وزارة سيادية لها علاقة بالإصلاح وهذا امر مرفوض لأن الأخلاق والمبادئ والغيرة على الأردن لا التملق لإسرائيل وأمريكا للحصول على وظائف في مؤسسات امريكية هي الخصال الأساسية المطلوبة للإصلاح. لو مسك المعشر الإصلاح كل ليبرالي جديد إنتهازي في الأردن سيصبح في موقع حساس. ونحن نريد التخلص من الإنتهازيين لا ان يزيد عددهم.

    http://www.jordanembassyus.org/052098003.htm
  • »جمهور المعشر ليس ليبرالي بل ليبرالي جديد (هند العمري)

    الأربعاء 27 تموز / يوليو 2011.
    لايوجد ليبراليا في توجهات جمهور المعشر. يوجد ميول ليبرالية جديدة. الليبرالية لاتتعايش مع الديكتاتورية بل تقارعها. الليبرالية الجديدة هي إختراع للنخب العربية تسمح لها بالتعايش مع الديكتاترية والتطبيع تحت شعارات إنسانية بينما هي بالوقع إنتهازية مغلفة بشعارات إنسانية. الليبراليون ضد التطبيع مع دولة تمارس التطهير العرقي والقتل والتمييز, لا ليبرالية بهذا. الليبرالية ضد ان تكون السلطات بيد شخص لأنها تناقض الديمقراطية التي هي اساس لحقوق الإنسان. النظام واتباعه ليبراليين جدد إنتهازيين فقط لاغير وليسوا ليبراليين. والمساواة بين الليبرالية والليبرالية الجديدة هي مثل المساواة بين الإسلام والقاعدة.
  • »إشكالية المصطلحات في مقالات الكاتب والكتاب (يافا القدسي)

    الأربعاء 27 تموز / يوليو 2011.
    مقال ممتاز وأريد فقط أن أعلق على استخدام مصطلح ليبرالي في وصف المعشر وبعض الشباب الذين حضروا المحاضرة. الليبرالية مصطلح ومفهوم قديم سبق انتشار القيم العالمية للديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية الإنسانية والدولة الحديثة، أظن أن كثير من الكتاب والمحللين يتعجلون بوصف الأفراد والجماعات المنسجمة مع تلك القيم العالمية بأنهم ليراليون. اليوم في العالم العربي أي شخص أو مجموعة تؤمن بتلك القيم العالمية وليست جزء من الاسلام السياسي توصف من قبل كثير من الكتاب بأنها ليبرالية. أنا أميل إلى وصف تللك الجماعات والأفراد بالأفراد والجماعات المدافعة عن حقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية الإنسانية والدولة الحديثة. ولأعطاء مثال على إرباك تلك المصطلحات هو أن الحزب الديقمراطي في أمريكا هو حزب ليبرالي بينما الجمهوري هو حزب محافظ وفي الوقت نفسه فإن الديمقراطيون "الليبراليون" يدافعون عن البرامج الاجتماعية وعن دور الدولة وتقليل الضرائب على الطبقة الوسطى بينما الجمهوريون المحافظون يدافعون عن تقليص البرامج الاجتماعية وتقليل دور الدولة وتقليل الضرائب المفروضة على الشركات والأثرياء (الأكثر إثارة للدهشة أن الجمهوريين كانوا ضد كفالة الدولة للبنوك أثناء الأزمة المالية في 2008). ونفس المنطق ينطبق على وصف الاخوان المسلمين والقاعدة والعدالة والتنمية (التركي) وحزب الله بأنهم اسلاميون (اسلام سياسي) وكأنهم شيء واحد. في إيران خاتمي مع الديمقراطية بينما خامنئي ضد الديمقراطية مع أن الإثنين رجل دين شيعي ومن رحم الثورة الإيرانية.