نضال منصور

وأخيراً انتصر المعلمون

تم نشره في الثلاثاء 26 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً
  • › مقالات سابقة

ننحني بالتقدير والاحترام للمعلمين والمعلمات الذين حققوا نصراً بانتزاعهم نقابة المعلمين بعد عقود من الممانعة والرفض والإقصاء تحت عناوين وذرائع لم تكن أبداً مقنعة، وتمر من منظور أمني لا يريد لهذه النقابة أن ترى النور، لأنها ستكون قوية ومؤثرة، وربما تسهم في قلب المعادلات والموازين في بنية العمل والنضال النقابيين.
انتصر المعلمون وسقطت عقلية الوصاية التي تسعى لتهميش المعلمين وإبقائهم خارج معادلة اللعبة النقابية والسياسية، وانتصر المعلمون لأنهم توحدوا خلف شعارات لا يمكن الاختلاف عليها ولأن حجة الحكومات المتعاقبة واهية ولا تصمد أمام إرادة المتشبثين بحقوقهم، وانتصروا أيضاً لأن زمن تكميم الأفواه ومصادرة الحقوق في الأردن والعالم العربي قد ولى إلى غير رجعة.
لم تكن المشكلة أبداً في فتوى المجلس العالي لتفسير الدستور التي كانت لا تجيز للمعلمين نقابة، فقد كانت تعبيراً عن الضغوط الحكومية وخارج السياق الدستوري، وإلا كيف نجيز النقابات لكل المهن وبعضها يضم موظفين حكوميين كثر ولا نعطي هذا الحق للمعلمين؟!
والعقبة لم تكن وزير التربية والتعليم السابق، الدكتور إبراهيم بدران الذي لم يحسن إدارة المعركة وخسر رغم كفاءته بسبب تصريحات اعتبرها المعلمون مسيئة لهم، واغتنموها فرصة لتصعيد معركتهم النقابية، بل كانت المشكلة وظلت في خوف الدولة وتحسبها من تشكيل إطار نقابي للمعلمين والمعلمات يضم آلافا. والخوف لم يكن من تسييس هذا الجسم، بل من توحدهم خلف قضايا مطلبية أبرزها وأهمها تحسين رواتبهم ووضعهم المعيشي.
لا يجادل أحد في الواقع المعيشي الصعب الذي يعيشه المعلمون، ولا تستطيع الحكومة القول بأن وضع المعلمين ورواتبهم مقنعة ومرضية. وكان وزير التربية الأسبق الدكتور خالد طوقان الذي كان أكثر الوزراء عمراً في التربية يقول علناً إن المطلوب مضاعفة رواتب المعلمين حتى نقترب من مرحلة الإنصاف لهم. وهذه القضية وحدها كافية لإثارة الرعب عند الحكومات، لأنها تدرك أن ولادة نقابة للمعلمين ستجعل هذه المسألة على رأس الأولويات والمطالب. وتعلم الحكومة كذلك أن تحقيق هذا الأمر صعب، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي يمر بها الأردن.
المعلمون والحكومة أمام مرحلة جديدة لا يمكن التقليل من أهميتها. فمن جهة، المعلمون أصبحوا كتلة يحسب لها حساب، ويستطيعون أن يقولوا "لا" عالية بملء الفم، وصوتهم مسموع، ويستطيعون أن يجبروا الحكومة على الإصغاء لهم لأن أي موقف جماعي للنقابة قادر على إحداث شلل وارتباك في الحياة العامة.
وعلى الجانب الآخر، فعلى الحكومة أن تعيد حساباتها، خاصة في الميدان التربوي وصناعة القرار التعليمي، فاليوم أصبح لديها شريك لا يمكن تجاهله، وعليها أن تستعد من اليوم للتعامل مع مطالب المعلمين، وخاصة التي تخص تحسين حياتهم.
نقابة المعلمين الآن قوة كبيرة في الميدان تتجاوز نقابة المهندسين، ولم تنجح الدعوة لتبني عدم الإلزامية في نقابة المعلمين. وسبب فشل الدعوة ليس عدم وجاهة الطرح ومدى انسجامه مع المعايير الدولية والمعاهدات التي وقع عليها الأردن، والتي تنص على طوعية الالتزام للنقابات، فهذا أمر حقيقي نؤيده ولا نجادل فيه ونتمنى الأخذ به، ولكن ليس بطريقة انتقائية وتطبيق عدم الإلزامية على نقابة المعلمين وحدها. فنحن ندعو الحكومة منذ سنوات إلى الأخذ بمبدأ طوعية الانتساب للنقابات وعدم إلزاميتها وفتح المجال لتعددية نقابية. وهذا منطق ومنهج حقوقي، وليس طريقة لتفكيك نقابة بعينها وشلّ قدرتها عن العمل.
المهم تحقق للمعلمين حلمهم، وعليهم مسؤولية تطوير العملية التربوية والتعليمية واستعادة هيبة المعلم وخلق انتماء لهذه المهنة المقدسة وعدم التفريط بهذه القيم حتى لا تنهار سمعة التعليم في الأردن. وأيضاً النقابة مطالبة بأن تكون إطاراً تعددياً وليس إقصائياً يعكس حراك المجتمع، ويهتم أولاً بدفع التعليم خطوات للأمام، وتحسين حياة المعلم وتوفير البيئة الآمنة له قبل المماحكة السياسية والدخول على خط الاستقطاب الحزبي.
نقابة المعلمين قوة لا يستهان بها، وعلى قادتها العد للعشرة قبل أن يستخدموها في سياق صراعهم المطلبي حتى لا يتهموا بتعطيل العملية التعليمية.

nidal.mansur@alghad.jo

التعليق