أحفاد سايكس وبيكو: وكر الهويات التائهة

تم نشره في الخميس 21 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

لم تكتمل صورة المنطقة العربية في أجزائها، كوحدة واحدة بعد سقوط الدولة العثمانية. ولم تكن مؤهلاتها قادرة على امتلاك عناصر القوة لتمنحها نوعا من "الوحدة الذاتية"، على غرار الحكم الذاتي.
كل المهمات التي تنادي بوحدة أجزاء من المنطقة فشلت. ليس بفضل سايكس وبيكو اللذين أسسا لنظرية التقسيم المجحفة بحق أمة تجتمع جينات تحضرها على الوحدة، حتى وهي في أقصى انقسامها، بل بفضل عته موتورين، يحتكمون إلى القسمة حتى بين أبنائهم.
وكأن الاستعماريين الكولينياليين قد تركا لنا إرثا يأبى إلا أن تتحرك فيه جينات الحقد على حضارة العرب ولحمتهم، وتعايشهم العريق عبر التاريخ، وسط تنوع إثني وعقيدي نادر.
في هذا النطاق، تشكل تجليات الثورات العربية الجديدة، فسحة لمراجعة "وكر الهويات" الصاعدة على جثة تقسيم المنطقة، والارتضاء بسياسات، هي مرفوضة في سياق التفكير الجامع للنطاق العروبي، الذي هو أوسع في قيمه من النطاق القومي.
إن الاعتراف بهوية ما، يستند على مستقبل هذه الهوية، ويستمد ديمومته من عراقة تاريخها الأصلي، والذي عادة ما يكون منبتّا عن تواريخ محيطه، ومتشكلا في بوتقة ذاتية خالصة الجينات، مسكونة بصفاء عرقي صاف، وهو ما تستند اليه عقائد شوفينية عنصرية كالصهيونية.
من هنا، تبدو فكرة الهوية ونقائها مجحفة بحق من ينتمون في أصولهم إلى أقليات أو إلى أكثريات تقطن منطقة حضارية واحدة، ما يعزز النزوع إلى الافتئات والانعزالية في المجموع، وتكوين قوى مضادة لبعضها داخله، تتحول لاحقا إلى ارتكاب أفعال عنفية، قد تذهب إلى حروب أهلية غبية، تستمد سطحيتها من فكر مروجي اختلاق الهويات.
إن النداءات العزلوية التي نادى بها مثقفون عرب، منذ أواسط القرن الماضي، واتكأت على الفرعونية والفينيقية وغيرها، مما تبدو كأصوليات معتمة، غير قادرة على الصمود في وجه الحاجة للاجتماع، بل إنها أضحت في غياهب النسيان اليوم، ليس لأن فاعليتها لم تكن مسنودة بقوة الحضور والعمل، بل لأنها لم تكن قادرة على الامتثال للواقع، ولا التماس معه، ولا إنتاج وجه حضاري يمكنه أن يكون بديلا عن حضارة المجموع في منطقة تمأسست قوتها الثقافية والفكرية والاقتصادية والإنسانية على العروبة أساسا.
وفي ظل تفاوت الرؤى وتغييم الأفكار الداعية إلى وحدة عربية ذات مستوى حضاري يستمد رؤاه من التاريخ، ويتفاعل مع فكرة الانصهار، نجد من ينقضها، تحت لبوس الهوية، ونقاء العرق، غير مستدركين أن هذا النقض، لا يمكنه أن يكون إلا حربا ضارية على الحياة.
وقد استغلت أنظمة عربية استبدادية استرجاع هذا التفكير "الهوياتي" لتمكين خطابها العزلوي من الانفلات من قمقمه وقت الحاجة، والتمترس خلفه للدفاع عن نفسها باستخدامه كلما دقت ساعة التغيير فيها.
لذا فإن المنادين بهويات ذات نطاقات جغرافية محدودة في الجغرافيا الحضارية العربية، يدركون أنهم يكملون رؤى أنظمة الاستبداد، ويتحركون معها، لكن الحقيقة الأبقى هي أن قيام مثل هذه الهويات، لا يمكنه الصمود في وجه تغييرات عارمة، تنهض بالمنطقة، وتستوي في انتظامها مع فكرة الاجتماع، لا الافتراق.

ghazi.altheebh@alghad.jo

التعليق