خيار الفقر ليس ثقافياً

تم نشره في الأحد 17 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

واحدة من معضلات الحياة وعجائبها أن الإنسان قادر على تقبل كل شيء، والتعايش معه، حتى منظر دماء الأبرياء، وصراخ الأمهات الثكلى، ونحيب البلبل الشاكي.
وقد قيل في الفقر أشياء كثيرة، "كاد الفقر أن يكون كفراً"، و"لو كان الفقر رجلاً لقتلته"، وهنالك اقتباس
لـ كونفوشيوس يقول "في البلاد التي تدار بحكمة، يكون الفقر فيها عيباً، وفي البلاد التي تدار بدون رشاد يكون الثراء فيها عيباً"، ويروى عن سقراط أنه قال "الفقر هو أبو الثورات والجرائم".
ولكن واحدة من الأفكار التي تعجبني حول الفقر هي حرمان المرء أو الشخص من الخيارات، وهذا هو الفقر الحقيقي، فالفقر يحول بين الإنسان وحقه الأساسي في أن يتمتع بخيارات متعددة. ومن هداه ربه، فإنه يَهَبَهُ نعمة القدرة على الخيار الصحيح، أما مع الفقر، فإن الإنسان يرد الى أبسط غرائزه، ويرضى بما هو متاح.
والمواطن في وطن العرب قد ضاق بالحرمان الذي يعانيه من توجيهه نحو ما يريده القائمون على الأمور، فهو محروم من خيار رئيسه، وممنوع عليه اختيار رأيه، وحرام عليه اتباع ملكاته وقدراته، ومحصورة قدراته الإبداعية فيما يقبله وُلاة الأمور، وحتى في زواجه وحبه ودراسته وتخصصه محروم عليه في كثير من الأحيان أن يمارس الخيار الذي يريد. أو بعد هذا الفقر فقر؟!
ومما يجعل فقدان الخيارات أمراً أكثر إيلاماً ولوعة هو إدراك المرء أن غيره متمتع بها. وقد كرم الله الإنسان بإعطائه العقل الذي يفكر فيه فيختار ما يريد، والذكاء الاجتماعي ليمارس ما يختار، والحريات الأساسية التي تمكنه من التمتع فيما اختار من عمل، وأصحاب، وزوج، ونهج، ومعتقد، وسكن، وترحال، إلـــخ...
ولهذا، فإن حرمان الإنسان من حرية الاختيار هو إرجاعه الى دائرة الفقر، وحرمانه من كرامته. الفقر ليس مجرد العوز، وإن كان العوز والإفلاس لا يحرمان الانسان بالضرورة من ممارسة حق الاختيار، ولكن يبقيه ضمن حدود ومجالات ضيقة، ولكن الفقر له تعريف أوسع.
ومن هنا لا يمكن أن يكون تعريف الفقر محصوراً على نقص الوسائل لممارسة الاختيارات الاقتصادية، ولكن الفقر يمتد ليحرم الإنسان من خياراته الإبداعية، وخياراته السياسية، وخياراته الاجتماعية.
والفقر في الوطن العربي ليس نتاجاً للحضارة أو الثقافة السائدتين هنالك. وللتدليل على ذلك، فقد أجريت عدة دراسات مقارنة بين أوضاع العرب الأميركيين وباقي الشعب الأميركي، فُوجد أن معدل دخل الأسرة العربية الأميركية يفوق معدل دخل الأسر الأميركية بعامة بحوالي 10 %، وأن 40 % من العاملين العرب هم من المديرين، وأن معدل التحصيل الجامعي يصل الى أكثر من 40 % من البالغين مقابل 34 % في الولايات المتحدة.
من هذه الدراسة وغيرها، يستدل على أن العربي لا يختار الفقر بسبب ثقافي أو ديني أو حضاري. إن الفقر في الوطن العربي هو حصيلة للمناخ السياسي والنظم الاقتصادية السائدة فيه، والمواطن العربي لو توفر له خيار بين الفقر والغنى لاختار السعي نحو حياة كريمة بكل اقتدار.
إن حالة الغنى الفاحش في الوطن العربي تعكس وضعاً غير سليم، وحالة الفقر هي الصورة المتممة، وكلاهما وجهان لنفس الحالة، وهي حالة التردي السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

التعليق