محمد أبو رمان

صيرورة التحول و"فوبيا الإسلاميين"

تم نشره في الأحد 17 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

ما يحدث اليوم في مصر وتونس ليس ارتداداً على الثورة الشعبية، بل هو استكمال لها، وإتمام لمهمتها، التي لم تصل إلى الإنجاز الكامل، وما نراه من عودة الروح إلى ميدان التحرير تأكيد على أنّ الصيرورة الديمقراطية تعمل بقوة وفعالية ضد محاولات "الالتفاف" على الثورة وضد "الثورة المضادة".
في مصر وتونس تمّ ضرب "رأس الأخطبوط"، لكنّ رمق الحياة والمقاومة بقي فاعلا في أطرافه المختلفة، فلا نتوقع في دول بوليسية، يتم فيها تجنيد مئات الآلاف في أجهزة الأمن ومن المخبرين، وآلاف المستفيدين من ذلك الوضع، أن يقبلوا بالتنازل عن مصالحهم وامتيازاتهم بسهولة، حتماً سيحاولون الالتفاف على الثورة بكل الوسائل لحماية مصالحهم.
في اليمن وليبيا؛ فإنّ النهاية المنطقية الوشيكة ستتمثل بخروج القذافي وعلي عبدالله صالح من اللعبة، فهما يعيشان مرحلة "ما بعد الحكم"، وقد استنفدا ما في جعبتيهما من أساليب شيطانية ودموية، ومع ذلك فإنّ الشارع كان قد حسم أمره تماماً لإسقاطهما. أمّا الثورة السورية، فبالرغم من المجازر الهمجية والقتل الدموي، والأساليب المرعبة (بل بعضها تجاوز كثيراً خيالات أفلام الرعب). إلاّ أنّ الشعب السوري قرّر – بوضوح- دفع الكلفة كاملةً لحقه في الحياة الكريمة والتحرر، كي لا يظلّ بمثابة "الرقيق".
الجمعة الماضية (أطلق عليها أسرى الحرية) كانت تطوراً جديداً في مسار الثورة، إذ بدأنا نتحدث عن ملايين المتظاهرين، لا عشرات الآلاف، ودخلت دمشق وحلب، على خط الثورة، وكسرت عزلة الثوار، مع انضمام المثقفين والفنانين إلى الثورة، وقد تعرض عدد منهم إلى الاعتقال.
النظام السوري الذي راهن كثيرون على قوته وصلابته يترنح اليوم أمام تجذر الثورة وامتدادها وإصرارها، وهو المؤشر الأكثر أهمية اليوم على أنّ أعتى النظم البوليسية الدموية لن تستطيع وقف عجلة الثورة الديمقراطية العربية.
الرهانات الرسمية العربية على "الثورة المضادة" أو على "الالتفاف على الثورة" أو "فرملتها" أو "اغتيالها"، كلها رهانات فاشلة، وخارج التاريخ، فما يحدث في الدول العربية، مع اختلاف النماذج والحالات والمراحل والعوائق والتحديات، ما هي إلى خطوات لاستكمال الثورات، ولبدء مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة العربية. صيرورة العملية الديمقراطية تعمل بقوة وزخم في اللحظة الراهنة، وقد انتهت اللحظة الافتراضية لهذه النظم، ولم تعد قابلة للحياة، ولا قادرة على التكيف مع المستقبل وشروطه. بعض الأصدقاء المثقفين- العلمانيين، مرتبكون تماماً في الموقف من الثورة الحالية، وبدأوا يرفعون شعار "فوبيا الإسلاميين" والخشية من "اختطاف الثورات"، وهم بذلك يعيدون تسويق "الفزّاعات نفسها"، ولعلّ أغرب استدلال على لباس النساء المشاركات في مسيرات الشام واليمن وليبيا!
اصطدام هؤلاء الأصدقاء ليس مع "الإسلاميين"، بل مع الشعوب وثقافتها، فالحرية لدى المجتمعات لا تعني التحلل من المضمون الديني والحضاري. إمّا أن يعيد أصدقاؤنا (العلمانيون) تعريف موقفهم من الدين، وإما سيبقون "أقلية"، وهذا حقهم الثقافي والمعرفي، لكن ليس من حقهم التذمر من القوى الشعبية الأخرى، أو يفضلون الأنظمة العلمانوية الدموية، طالما أنّها تلتقي مع فلسفتهم الاجتماعية! الديمقراطية هي تكنولوجيا الوصول إلى السلطة، وضمانة "منع الاستبداد"، لكنّ المضمون الحضاري والاجتماعي مسألة تتحدد وفقاً لثقافة الشعوب واتجاهاتها الدينية والأخلاقية والتاريخية، فما يصلح هنا، قد لا يصلح هناك.
مّرة أخرى، لا يمكن استنساخ "الشعوب الغربية" وتطبيق الشروط نفسها، ما نريده ضمانات للتعددية السياسية والدينية والثقافية، وتداول السلطة، وأنظمة دستورية، ودولة المواطنة والقانون، وحماية الحقوق الأساسية والحريات العامة..
أما اختيارات الناس السياسية والاجتماعية، وفلسفتهم في الحياة.. فأساس الديمقراطية احترامها وقبولها.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق