إبراهيم غرايبة

الإصلاح والفكرة التي جاء وقتها

تم نشره في الجمعة 15 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

هذه المقالة كتبت أمس، وتنشر اليوم، وربما تكون حدثت في أثناء ذلك تطورات مهمة حول الاعتصام المفتوح الذي أعلن عنه. ويبدو لي أن الحراك الإصلاحي يدفع بعيدا عن أهدافه وحدوده وإمكانياته، وأن ثمة غرورا مبالغا به، وافتعالا وأوهاما تحرك فئة من الناس تجعلها "تطفو على شبر ماء"، وتعتقد أنها تصنع الوعي وتحرك الجماهير وتخلق المستحيل.. وتحلق في السماء. وثمة حالات مرضية تحتاج إلى تدخل علاجي طبي لأشخاص يعتقدون أنهم يوقعون عن رب العالمين، وأنهم أوصياء على الناس! والغريب أنها وصاية جاءت بالانتساب إلى جامعات الأنظمة السياسية (الجاهلية!)، وأشخاص يعتقدون أن الأردنيين قبلهم لم يكونوا يفقهون شيئا، ولكن ويا لشديد الأسف فإن هؤلاء "النرجسيين" يمضون بنا نحو المغامرة والمجهول.
موجة الإصلاح التي هبطت على العالم العربي ليست مبادرة أنشأتها جماعة، ولا شرارة أشعلها شاب حرق نفسه، ولكنها سلسلة متراكمة ومعقدة من الأعمال والتحولات والفرص التي وجدت في تقنيات الإعلام والاتصال ميدانا للتعبير عن نفسها وللتحرك والنضال لأجل أهداف ورؤى وأفكار لم تتوقف يوما.. وليست اكتشافات جديدة وجدها الشباب المعتصمون والحركات السياسية والاجتماعية، التقليدية والجديدة، الواقعية والافتراضية، وما يحدث من حراك ليس إلا تعبيرا عن فكرة جاء وقتها، لم تجلّها أو تطورها الاعتصامات والتجمعات.
وهناك خيارات عدة للعمل من غير عنف أو تظاهرات واعتصامات، ويمكن للحكومات والمجتمعات اليوم، وبخاصة عند النظر إلى مستوى الرضا السياسي والاجتماعي، أن تدير تسويات وصراعات سلمية تؤول في النهاية إلى إصلاح سياسي واجتماعي وتغييرات مهمة وكبرى، وربما يكون هذا مصدر التيه والأزمة في الحراك الإصلاحي الأردني القائم اليوم! هل يمكن تجنب المسارات الجماهيرية والتجارب الأخرى جميعها وأن نحقق الإصلاح المنشود في الوقت نفسه؟ هل نحتاج إلى نموذج مختلف في المسار الإصلاحي؟  الحركات الشبابية والمعارضة (التي تدعو إلى الإصلاح أيضا) لا ترى أفقاً للعمل سوى الخروج إلى الشارع، ولما كانت قواعدها الاجتماعية غير مستعدة للتظاهر والاعتصام بأعداد كبيرة، ولا تملك هدفاً واحداً يجمعها ويحركها للخروج، فإنها تبدو في حالة ارتباك وإحباط وشعور بالفشل، وكأن النجاح لا يكون إلا في تكرار النموذج المصري والتونسي. والحكومة أيضا لا ترى مساراً محتملاً سوى الرد والمواجهة، وحشد وتعبئة قواعدها الاجتماعية وأجهزتها الأمنية والتنفيذية.. ولكنها تبدو معركة يتساوى في مرارة وعقم نتائجها النصر والهزيمة! ومحاولة إضفاء طابع إسلامي وإقحام الفتاوى في الحراك القائم يحرك الفتن، ويلبس على الناس دينهم ودنياهم، لأن المسألة ابتداء خلاف سياسي بين فئة من المواطنين والحكومة، وليست اتهاما في الدين والنوايا لأحد.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لم تهبط من السماء (سعاد الفاتح)

    الجمعة 15 تموز / يوليو 2011.
    هناك نقاط اتفاق مع الكاتب ولكنني أخالف الكاتب بشأن وصفه ما يحدث في العالم العربي "موجة اصلاح هبطت على العالم العربي..." والخلاف مع الكاتب يكمن بأنني أرى ما يحدث في المنطقة العربية ليس موجة إصلاح وإنما هي ثورات تسعى نحو تغيير جذري في بلدانها وشعاراتها واضحة وهي الحرية والخبز والكرامة الإنسانية وهذه الشعارات عملية ومدعمة بأمثلة واضحة مثل تسلط الأمن على الناس والفقر الذي أصاب قطاعات واسعة والفساد والتوريث والمال السياسي الخ. كما أن ما يحدث لم يهبط من الفراغ أو السماء، فما حدث هو ناتج عن امخراط الشباب بحراك ونشاط مرتبط بفلسفة المقاومة اللاعنفية (السلمية) والتي كان من ضمنها الاعتصامات والمظاهرات والإضرابات العمالية وغيرها. لم أفهم ما الذي قصده الكاتب بفكرة جاء وقتها؟ إذا كانت فكرة حاء وقتها لماذا حدثت في مصر وتونس ولماذا ما زالت مستعصية في الخليج ولماذا هناك من يقسم الدول إلى دول جاهزة للاصلاح ودول جاهزة للثورات؟ ولماذا أخذت منحى عسكري وتدخل دولي في ليبيا؟ أظن أن فكرة الدولة الحديثة هي فكرة جاهزة في العالم منذ وقت ليس بالقصير وحققتها كثير من الشعوب منذ عقود وشعوب تعمل عليها الآن وشعوب ما زالت تنتظر ولكن الأكيد لا شيء يهبط من السماء ولا من أي مكان في الأعلى. أسأل مانديلا ومارتن لوثر وأردوغان وموسوي وفاليسا ومبارك عوض ووائل غنيم وأمهات المفقودين في تشيلي...