زليخة أبوريشة

المال لك والموارد للمجتمع

تم نشره في الثلاثاء 12 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

ليتني كنت أستطيع إيراد صورة المنسف العربي الذي بحجم بركة سباحة وحوله من الأكَلَة أقل من عشرة رجال! لا يبدو في الصورة أي تلاعب فني، بل لا نحتاجُ إلى أن نشكَّ في صدقها لأننا عن طريق الشبكة العنكبوتية قرأنا من قبل صوراً فظيعةً لحاكمٍ عربي يكرمُ فريق كرة قدم بحيث كان أربعة فقط من اللاعبين ينفردون بمنسف أقل قليلاً من بركة سباحة. مناسبة هذا الحديث أنَّ رسالة وردتني على بريدي الإلكتروني تتحدَّث عن مخالفة حرَّرها شرطي التأمينات الاجتماعية في مدينة برلين لمجموعة شباب عرب تركوا على مائدتهم في مطعم بعد أن دفعوا الحساب، حوالي ثلث ما طلبوا، فتولت سيّدة مسنّة الاتّصال بمؤسّسة التأمينات. وعندما حضر الشرطي شرح للطلبة العرب القاعدة: "المال لك، لكن الموارد للمجتمع". إذا صحَّت الواقعة، ولا نحتاج إلى أن تكون كذلك، وإذا صحَّ المنسف الذي بحجم بركة سباحة، ولا يلزمنا أن يكون صحيحاً، فإنَّ الاطمئنان إلى السَّفَه العربيّ في استهلاك الموارد وخصوصاً الطَّعام، لا يحتاج إلى توثيق وبحث وتنقيب في المراجع، فالأمثلة مبذولةٌ أمامنا مثل الماء، قبل أن يعزّ، ومثل الهواء الذي تنقصه حرية التنفس والتعبير، والذي لا يحتاج إلى دليلٍ أيضاً. هذا هو الداء إذن!! سفَهٌ في استهلاكٍ مبعثُهُ قيمٌ متخلفةٌ في تفسير معاني الكرم والجود، التي ينبغي إعادةُ قراءتها في ضوء مفاهيم العصر، وأنَّ المالَ لنا ولكن الموارد للمجتمع. فما العمل إذن؟
من واحدة من أندر وأولى السياسات الحقيقية التي أطلِقَت في وقتِ مبكر، أقصد سياسة "ترشيد الاستهلاك" التي نادى بها وطبَّقها على نفسه وحكومته المرحوم الشريف عبدالحميد شرف، نستطيع أن نستلهمها فيما يتجاوز الإنفاق الحكومي إلى الإنفاق الشعبيَ والمجتمعيّ. ولستُ أرى أن مهمات وزارة التنمية الاجتماعية تنحصرُ في تأمين الفقراء فحسب، بل في ابتكار وابتداع أساليب تمكن المجتمع من أن يتجاوز عاداته السلبية وأن ينهض بأساليبه في الإنفاق والاستثمار واختيار المهن. بعبارة أخرى، فإنَّ من واجب الحكومة أن تمتلك تلك البصيرة الخارقة التي تذهبُ بها إلى الحلول العبقريَّة لمشكلات الاستهلاك السَّفيه، ومنها مثلاً أن تمتلك بيانات إحصائية ودراسات عن بؤر الإنفاق المجتمعي السَّفيه، واختراع آلياتٍ تحدُّ منه... مثل أن تقنِّن الإنفاق الفردي على التلفونات الجوالة، أجهزةً وخدماتٍ، وعلى مواد الرز والسكر واللحوم. فإنه لن يضيرنا كأفراد أن نصحو غداً لنعلم أن حصة الفرد من الرز والسكر واللحوم وغيرها من المواد الأساسية قد حُدِّدت، وأنَّ المناسف تحديداً إذا تجاوزت في الطلبية الواحدة عدداً معيَّناً ستخضع لضريبة إضافية. وأن وزارة التنمية قد أوجدت شرطة خاصة لملاحقة المخالفات في استهلاك الموارد –على سبيل الجد لا النكتة والهزل– والسَّفَه في الاستهلاك المجتمعي.
ومن المهم قبل ذلك وفي أثنائه نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك، وجعلها جزءاً من المناهج الدراسية، وجزءاً من مناهج التدريب في المؤسسات المعنية بالتدريب كافة. إذ يجب اختراق الثقافة المتخلفة القائمة على المراءاة وعلى المظاهر الفارغة والجاه الكاذب. فليس لدينا من سبيلٍ إلا الإصلاح، والإصلاحِ السريع... وإلا!!!! دعونا لا نفقد الأمل......

التعليق