محمد أبو رمان

على شفا الانهيار

تم نشره في الأحد 10 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

بالرغم من المذابح (أكثر من 1500 شهيد) وآلاف المعتقلين، والتعذيب الشديد ومحاصرة المدن واقتحامها وما يقارب 15 ألف لاجئ إلى الدول المجاورة، فإنّ المسيرات والمظاهرات والحركات الاحتجاجية يتسع نطاقها ويرتفع سقفها وتزيد أعدادها، وتصبح أكثر تنظيماً وقدرة على المواجهة.
عدد المتظاهرين ارتفع من بضعة آلاف هنا وهناك إلى الملايين الذين يشاركون في المسيرات والمظاهرات، وقد وطّنوا أنفسهم على الاستمرار فيها إلى أن يتدهور النظام، وتشير التقارير إلى تشكيل خلايا ومجموعات صغيرة محلية في كل منطقة بدأت تكتسب خبرة كبيرة في الاتصال والتعامل مع "الأخطبوط الأمني"، وتنوع بأدوات اتصالها بين الأساليب القديمة والجديدة.
يساهم غباء الأجهزة الأمنية في تعزيز مأزق النظام وأزمته، فحوادث التعذيب والقتل التي تحدث تزيد من سخط المدنيين وتعمّق التعاطف مع مطالب الثورة، وقصص التعذيب ترفع من منسوب النقمة على النظام.
ثمة قصص عديدة تحولت إلى معاول هدم تنزع أي رداء أخلاقي أو شرعي عن الحكم، لكن هنالك قصصا معينة تأخذ مدى إعلامياً وسياسياً وشعبياً أكبر لتوازي قصص البوعزيزي في تونس وخالد سعيد في مصر.
بعد قصة الطفل حمزة الخطيب، الذي تم تعذيبه ببشاعة لا مثيل لها، جاءت قصة إبراهيم قاشوش مؤلف الأهزوجة الشهيرة في ميدان العاصي بحماة "يا الله ارحل يا بشار"، التي رددها عشرات الآلاف، ونقلتها الفضائيات، وقد وجد إبراهم مقتولاً في نهر العاصي بعد تعذيب شديد واقتلاع حنجرته من مكانها على أيدي "شبيحة النظام".
اليوم أصبح إبراهيم قاشوش رمزاً من رموز الثورة، والأهزوجة انتشرت كالهشيم في النار، ترددها الحناجر في كل مكان، وأصبح ما حدث معه سبباً آخر شديد التأثير في السخط العام على النظام وجرائمه.
في المحصلة، فإنّ الرهانات على "صلابة" العود الأمني للنظام السوري بدأت تترنح، والتفكير بالحل العسكري فقط لإنهاء الاحتجاجات بدأ يتساقط سريعاً، والاتكاء على تحالف المصالح السياسية والاقتصادية أخذ يتفكك، مع بروز مؤشرات الانهيار وتبدد شرعية النظام بصورة متسارعة.
تلك الحقيقة يكشفها بالتحليل تقرير مهم نشر مؤخراً لـ "الأكونومست" بعنوان "عصر الأسد" The squeeze on Assad، إذ يرصد اتساع نطاق الاحتجاجات وتطورها وتفكك التحالفات التقليدية للحكم السوري.
أخطر وأهم ما يقدمه التقرير هو مؤشرات الوضع الاقتصادي الذي يسير في طريق الانهيار، وهو العامل الأكثر حسماً خلال الفترة المقبلة، في حال استمرت الاحتجاجات، إذ يشير التقرير إلى تراجع كبير في النشاط الاقتصادي إلى اكثر من النصف، وتضاعف نسبة البطالة، وتراجع كبير في مبيعات الشركات الكبرى، التمويل العام في مشكلة عميقة جداً، وهنالك أحاديث عن تهريب قرابة 20 بليون دولار من البنوك السورية إلى الخارج، وتحديداً البنوك اللبنانية، منذ شهر آذار الماضي فقط.
ويسرد التقرير قصصاً لرجال أعمال كبار بدأوا بالتخلي عن النظام إما بالهروب أو حتى دعم الثوار، وهو مؤشر حيوي لنجاح الثورة بتفكيك التحالفات التي يعتمد عليها النظام.
في المحصلة، ما يزال الجيش بيد الحكم السوري وتملك الأجهزة الأمنية وسائل بشعة في القتل والتعذيب والاعتقال، إلاّ أنّ مؤشرات تجاوز ذلك ونجاح الثورة ودوران ساعتها بدت واضحة خلال الأيام الماضية، وهو ما يعني سقوط أحد أكثر النظم الحديدية الدكتاتورية البشعة في هذا الوقت.. فللّه الأمر من قبل ومن بعد..

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الأسباب التي تجعل التغيير في سورية تحت سقف النظام مرفوض (زكي الأخضر)

    الأحد 10 تموز / يوليو 2011.
    من يطالب بالتغيير تحت سقف النظام فهو يطالب ببقاء النظام الذي يضمن أمن إسرائيل ويضمن استمرار التحالف مع إيران ويضمن بقاء حزب البعث الاشتراكي الذي أسسته الصهيونية وأسست الشيوعية في بلادنا من أجل أن تسيطر علينا.
  • »أحمدك ربي أن لست حاكما! (خالــد الشحــام)

    الأحد 10 تموز / يوليو 2011.
    شكرا دكتور محمد للتحليل الذي يحمل بشرى النصر على الطغاة .
    في أدبيات الازهار الربيعي للثورات العربية لنــا أن نحمد الله حمدا كثيرا وشكرا عظيما لأسباب كثيرة منها أننا مجرد أناس عاديون لم نكن حكاما ولم نرتق لمستوى ما وضع أولئك أنفسهم فيه ، فقد شاهدنا على أوضح الحال مستوى أعراض مرض التمسك بالحكم ومستوى الانحطاط الذي يمكن أن يقود إليه هذا الفيروس القاتل صاحبه والذي يبدو أن الأيدز أكثر رحمة منه . في نظرة شاملة للمسرح الدموي السوري باتت الصورة أكثر تحديدا والمعادلة بارزة المكونات ، كل ما في جعبة هذا النظام تم وضعه في الميدان من الكذب الاعلامي إلى السلخ المباشر الحي على الهواء وحتى الاستعانة بأدوات السياسة الخارجية وقديم الحلفاء ، كل مبررات البقاء التي ساقها النظام المجرم ظهر زيفها بسرعة ، وكل الوعود بأوهام الاصلاح والتحسين والتنمية السياسية أكدت عبثيتها وزيفها قبل أن تولد ، وكل ذلك من المستوى الأول في الضعف وسطحية الحيل وانعدام الأهلية للقيادة ، ما يؤكده الميدان لهذا النظام وسواه أن الحل الوحيد هو الرحيل والخضوع لأغصان الربيع الخضراء التي لفظت الأغصان الجافة ذات الأشواك ، مسألة انهيار هذا النظام هي تماما كمسألة النظام الليبي بدأت معالم انهياره منذ أول صيحة ولكنها مسألة وقت لا أكثر ، الجانب الأكثر خطورة أن مضي الوقت لا يمضي دون ثمن وفي حالة النظام السوري من الواضح أن الثمن سيكون فادحا لدرجة تفوق الوصف ، نعم هو سيسقط ومع سقوطه سنرى مساحات جديدة خضراء من سهول حوران التي اختفت وسرقت لسنين طويلة وستكشف الأيام ما يصيبنا بالذهول من حجم المفاجآت التي يخفيها سقوط أولئك.