"إن رحل صوتي .. م بترحل حناجركم"

تم نشره في السبت 9 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

لم يكن صوته عابرا. كان ثورة حارة، تندفع في مجرى الهواء السوري الجديد، لتطرد الزوان والخراب الذي استبد بسورية كل هذه العقود. لم يرحل بحنجرته الممزقة، إلا ليترك أثرا، سيظل أغنية أبدية في كتاب الثورة.
ابراهيم قاشوش، الفتى الذي هتف بسقوط الدكتاتور، كان مرفوعا على الأكتاف، منتشيا بما مده إياه هواء مدينة حماة في نصف مليونيتها العظيمة، الجمعة الفائتة. كان يهتف كما لو انه يريد ان يعب الهواء كله، حتى لا يفقد منه لحظة. وكما لو انه كان يفتقد فعلا للهواء، الهواء الذي ينظف القلب والحنجرة، ويرفع مستوى الحرية عاليا، ويجلب الضوء من الأقاصي.
ابراهيم قاشوش، الذي كان وترا حادا في رؤيته، استبصر سقوط نظام، يخاف حتى من الهتافات والاغاني والكلمات. حمل أوتار حنجرته ذلك الصباح، وهو يعلم ان ثمة صدى سيبقى عاليا لصوته، ولن تكتمه كل طلقات القتلة ولا خناجرهم التي تحز الحناجر والرقاب وتمزق القلوب. وبكل بساطته التي سمعناها وهو يهتف بسقوط بشار الأسد، كان ابراهيم مندفعا الى حياة أخرى. حياة سيتمنى قاتله لو انه لم يمنحه اياها، لان كتاب الثورة، لن ينسى طائر العنقاء، ذاك الذي كلما احترق فز من الرماد، وهو يغني.
وفي الفجر السوري، لم تمض لحيظات، حتى أعيد ابراهيم بعد خطفه الى عائلته بلا حنجرة. لم تكن تلك العودة، لتعني ان الفتى المغني، مات، بل على العكس، منح حياة ستجعل صوته يتردد في كل مكان، وستجعل هتافاته نصيرا للثورات في مكان، وستمد عشاق الحرية بأمل، يرفع من سوية الحياة، ويزرع أغاني جديدة في حدائق النور.
حين قتل شبيحة طاغية تشيلي بينوشيه، المغني فيكتور خارا، أصيبوا بالهلع، لأنهم بعد ان حزوا رقبته وقطعوا أصابع يديه، كانت سانتياغو تصغي ليلة مقتل مغنيها لصوته ولموسيقاه التي دفعت الطاغية الى دق رأسه بالجدران.
وقبله، فعلها الشاعر والمغني العظيم لوركا، حين قتله طاغية اسبانيا فرانكو. ضاع جسد لوركا وبقيت أشعاره وأغانيه ومعزوفاته، تحدق في وجه القتلة، وتصيبهم بالخوف. كان الفرانكويون يسيرون في شوارع الاندلس متلفتين حولهم، لان صوت الأغاني التي الفها شاعر الحرية وغناها، تنظر اليهم بازدراء.
صحيح ان الأسد ومناصريه لن يدركوا هذه الحقيقة اليوم، لكن سرعان ما يسقط الصنم قريبا، وسيغدو تلفتهم وهم يسيرون في شوراع حماة أو دمشق أو درعا، هذا اذا تمكنوا من البقاء للسير فيها، لتزدريهم كل الشوارع والازقة والبيوت والسهوب والاصوات التي رفع ابراهيم لها نخلة عالية، نخلة الصوت الحر، نخلة المغني الذي لن يرحل صوته، وأغانيه باقية. وسيردد الأحرار من أجل هذا المغني العظيم مع صاحبنا الحر سميح شقير "إن رحل صوتي م بترحل حناجركم".

التعليق