سائق أم "شوفير"؟

تم نشره في الخميس 7 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

أقف على رصيف التقاطع، أمد يدي لأوقف سيارة مكتب تاكسي صفراء، او رمادية، ليس مهما، فأنا أريد أن أصل إلى عملي في الوقت المحدد. السيارات الصفراء تمر محملة بالركاب. قليل منها تمر فارغة. يتوقف التاكسي، وقبل أن تمسك مقبض الباب لتندفع إلى المقعد، يسألك السائق بنبرة متذمرة: وين بدك؟
حسنا، تلتم على نفسك، وتجيبه، فيرد: لا أنا طريقي مش من هناك.
ألتفت إلى نفسي. ثمة صفعة تعرضت لها قبل ثوان من سائق لا يعرف أن تأخري عن عملي يعني خصما من راتبي، قد يصل إلى أكثر مما ستكلفني أجرة ركوبي معه. لا ضير، أدير خدي الأيسر لسائق تال، يتوقف وهكذا، إلى أن يرحمني الله بسائق طريقه في طريقي، وأركب معه، وكلي ثقة بأن السائق سيقدم خدمته لي على أكمل وجه.
أجلس بجانبه، بعد أن يظهر تذمره من الجو وارتفاع الأسعار، وقلة حياء الفتيات اللواتي يركبن معه، أو يراهن من خارج نافذته كل يوم، وقد تبرجن بما لا يمكن احتماله لشخص مثله أو لغيره. "الدنيا فسقت"، يقول، ومن نافذته أيضا يحدق في الفتيات اللواتي فسقن ويشتم تربيتهن.
يفتح مسجل سيارته، أو أي إذاعة محلية، ومن دون انتباه إلى الصوت و"خشخشة" الجهاز التي تصيب بالضجر، يستمر في الحديث معك، لا يدرك أنك قرفان، أو مستعجل أو مصاب برغبة في الصمت، لا يهم. المهم أن يتحدث حتى يفقدك وعيك. وأنت طبعا مضطر لاحتمال كل هذا الالم.
كل هذا ليس مهما أيضا، المهم أن تعيش هذه الدقائق مع رجل يتحدث في كل شيء ويعرف كل شيء ومستعد لشتم أي شيء، ويجب أن تلتزم حدود الألم، وتصغي وتهز رأسك، أو لا تهز، فأنت تريد أن تصل إلى عملك أو موعدك، وعليك موافقته على كل مقترحاته في مسار الطريق التي سيأخذك منها، وإذا قلت له أريد طريقا غيرها، فإنه يقلب "بوزه"، أو يبدأ باستعراض خبراته وفهمه لعمله أكثر من أي شخص آخر، وهو بذلك يقصدك.
ليس كل سائقي التاكسي على هذه الشاكلة، التي اجتزأت بعضا من تفاصيل علاقة الركاب بهم، لكن الغالبية العظمى على هذه الشاكلة.
والأنكى، أن بعضهم ممن يعترضون حياتك، يبدون وكأنهم من ذوي الأسبقيات، ولا يتورعون عن التبجح وهم خلف المقود، في الحديث عن أسبقياتهم، أو إيهامك بأن لهم أسبقيات، مع أن إدارة السير تقول إنها لا تمنح أي ذوي أسبقية رخصة قيادة تاكسي.
هذه العقلية "الشوفيرية" نسبة إلى "شوفير: سائق التاكسي"، وهي مفردة ذات طابع محمل بأكثر من معنى، قد لا تجدها إلا في الاردن. صحيح أن هناك ما يقترب منها في بلدان العالم، لكنها هنا تتجلى، وتغدو ظاهرة "الشوفير" أقرب ما تكون إلى ظاهرة "الأزعر" مع أن سائق التاكسي ليس أزعر. فهو تمثيل للمكان الذي يتحرك فيه، والمجتمع الذي يتعامل معه.
هذا حال عجيب؟ فهل يعقل ان يغدو أي مواطن أردني، إذا ما أصبح سائق تاكسي على هذه الشاكلة، أم أن آليات انتقاء سائقي التاكسي وطريقة امتهانهم لهذه الحرفة، هي المصيبة التي لم تزل معلقة ومن دون اي حل في عقل المسؤولين؟

ghazi.altheebh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هذه السلوكيات من تلك الكومة الأكبر ! (خالـــد الشحـــام)

    الخميس 7 تموز / يوليو 2011.
    شكرا على طرحك الموضوع سيد غازي ..حقيقة ما تفضلت به لا يمكن اغفاله ومن الصعب عدم ملاحظته ، ثقافة التاكسي لها نمط خاص بها في الاردن يقع في الاطار الذي أشرت لملامحه ، يبدأ العذاب بالتحقيق الفظ حول خط سيرك ووجهتك معه ، القسم الأكثر لذة من العذاب هو تشغيل محطات إف إم الرائعة والاستماع القسري لحوارات اشبه ما تكون بمخاطبات رجال الأمن على أجهزة اللاسلكي بينهم و الذوق الرفيع في انتقاء الصياح وأغاني الردح والمدح السطحي الفارغ المشاعر ، العذاب يتضخم إذا بدأ السائق معك حوارا وتضطر لمجاملته والانسياق في أحاديثه ، وبملخص مجمل : تشكل ركبة التاكسي عبئا عليك تحمله قبل التفكير بالصعود فيه ، لو كانت المواضع في مواضعها لتغيرت القصة شأن التاكسي شأن الكثير من الأشياء ها هنـا ، سائق التاكسي لا يعبر عن شريحة اجتماعية تقتصر على هذه المهنة ولكن المهنة تصبغ طابعا ذي محددات خاصة عليها ، هذه الأخلاقيات يا سيدي يحملها كامل هذا المجتمع إلا من استقام وحفظ نفسه ولك في كل مهنة عبرة وأنماط خاصة ، ما رأيك مثلا فيمن يعملون في أسواق الخضار ؟ ماذا تقول في اخلاقيات كثير من تجار الأثاث والكهربائيات البارعين في الغش والاحتيال ؟ ما قولك في البلطجة الأنيقة التي يمارسها من هم أعلى مرتبة في العلم كبعض الصحفيين والأطباء والاعلاميين ؟ وما قولك في فيمن كان حاميهــا حراميهــا ؟
  • »( فن , ذوق , واخلاق ) كانت ابجديات القيادة واختفت (ابو رائد الصيراوي)

    الخميس 7 تموز / يوليو 2011.
    الحل يا سيدي منوط بدائرة السير فعليها ان لا تسمح لمن تقل اعمارهم عن ال 45 سنة من مزاولة مهنة سائق تكسي عمومي , فتعدي السائق فترة الجنون الشبابي والاستهتار هو امر في غاية الاهمية لتلك المهنة. كما وان حقيقة ان السائق عادة ما يكون متضمن السيارة وليس مالكها ادى الى وجود مثل هذه النوعية من السائقين وهم اغلبية في الوقت الحاضر ( ولم تعد وظيفتهم القيادة فقط بل تعدتها الى ان اصبحوا تجار وسماسرة لكثير من الخدمات؟) فالمركبة ليست ملكه وعليه لا يهمه ما يحدث فغدا يمكنه تضمن سيارة اخرى اذا اراد.