إبراهيم سيف

التواطؤ وسرقة المواطن

تم نشره في الأربعاء 6 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

في الأدبيات الاقتصادية يستخدم مصطلح "التواطؤ" عندما تتفق مجموعة من أصحاب المصالح للحفاظ على الأسعار أو تركيبة السوق بشكل يضمن الأرباح لتلك الفئة على حساب المستهلك. ويأتي دور الدولة بالتدخل لتحقيق التوازن والحفاظ على مصالح المستهلكين.
هذا الشكل من التواطؤ يمكن رصده، ولكن ليس بالضرورة مقاومته. فعلى سبيل المثال، في الأردن لم نسمع إلا عن حالات نادرة تم التحقق فيها من حالات تواطؤ مضر بالمستهلكين. السبب الرئيسي ليس غياب حالات يمكن أخذها إلى القضاء، بل لأن هناك طرفا محايدا، هو الحكومة، لا يقوم بالضرورة بالدور المطلوب منه. هذا الواقع طور حالة فريدة من التنسيق، ليس بين أصحاب المصالح من القطاع الخاص، بل بينهم كذلك وبين بعض أجهزة الدولة التي تسعى جهارا نهارا إلى الحفاظ على أمن المستهلك وحمايته، ولكنها، ومن خلال بعض الإجراءات التي تتخذها، تكون في خندق واحد مع المحتكرين، وإلا ماذا يعني وجود عدد محدود من المنتجين في كل قطاع، سواء في المجال الصناعي أو الخدمي، ولا توجد إجراءات مقنعة للتغيير في تركيبة السوق.
التغيير يتطلب مواجهة أصحاب الصوت العالي الذين يعرفون جيدا كيف يدافعون عن مصالحهم، في حين أن المستفيدين من التغيير، وهم المستهلكون العاديون، ليس هناك من يتحدث باسمهم أو يدافع عنهم بشكل صريح. هذه الديناميكية تدفع الحكومة إلى عدم افتعال معارك مع القطاع الخاص، وهي بدلا من ذلك تركز على النفقات الاجتماعية وسبل الخروج من الأزمة من خلال أدواتها التقليدية التي ثبت مع الأيام عدم فعاليتها، ولكن الحكومة تصر عليها لأنها من الناحية السياسية أقل كلفة من مواجهة القطاع الخاص المنظم والكبير، فصغار المؤسسات تعاني من التهميش بسبب التركيبة السائدة.
التوسع في الإنفاق الاجتماعي غير المنتج على هذه الوتيرة يعني زيادة العجز في الموازنة. فالضريبة لن تطال الفئات المؤثرة والغنية، إذ لا يلوح في الأفق ما يشير إلى ثورة ضريبية، ربما بانتظار ثورة من نوع آخر. هذه الديناميكية تختصر الأداء الاقتصادي في الأردن على مدى العقود الماضية، ولم نخرج منها، فلا الدولة قادرة على تغيير التركيبة السائدة، ولا المواطن بأي حال يمتلك تلك القدرة لغياب الأدوات السياسية والقنوات التعبيرية المناسبة لتحقيق مصالح الفئات العريضة من المواطنين، وبطبيعة الحال ولا القطاع الخاص المستفيد. 
فما المخرج من هذا الواقع؟ بالنسبة للحكومات، ستبقى تناور، ولكنها لن تخرج من مربع الأزمة الأول، فهي مثقلة بالكثير من القيود التي تمنعها من التحرك بالاتجاه الصحيح، بل على العكس فالمطالب الاجتماعية التي تحرك الجماهير تطالب بالمزيد من النفقات الاجتماعية غير المجدية، وعلى صعيد السياسة النقدية، فهي تهدف إلى تحقيق الاستقرار بأي ثمن، وأراهن أن هذه الديناميكية ستستمر حتى نقترب من أزمة حقيقية، عندها ستلجأ الحكومة إلى إجراءات جذرية تطال الثقة بالاقتصاد والدينار الأردني.
التحرك قبل وقوع الأزمة يحد من الثمن المترتب عليها، والانتظار والتأجيل يشكل تواطؤا من نوع آخر على من ينتظر الحلول من الحكومة، ولكنها تختار الهروب إلى الأمام.

ibrahim.seif@alghad.jo

التعليق