جهاد المحيسن

حماية زيتون ومعاصر الطفيلة

تم نشره في الأربعاء 6 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

الأمم تعتز بهويتها، وتبحث في مكنونات التاريخ عما يؤكد هذه الهوية. وما يجري لدى الأمم ينطبق في ذات السياق على الأفراد؛ فثمة جدل بين الأمة والفرد والتاريخ والمكان، وضمن ذلك كله يصبح للوطن مفهوما وقيمة عند أهله، وتتجذر هوية الانتماء، ويصبح المكان رحبا بساكنيه.
مقدمة الضرورة تلك تفضي إلى حقائق لا يعلمها كثيرون عن بلدنا وعن تاريخنا وتراثنا الوطني في البحث عن تاريخ الزيتون الذي يشكل مخزنا للتاريخ الإنساني، والتاريخ الأردني على وجه الخصوص.
في الطفيلة، على سبيل المثال، لا نعرف اسماً للزيتون غير اسم الزيتون الروماني. ودلالات الاسم تؤكد جذور تلك التسمية التاريخية. فهو يحيط بالمدينة كما يحيط السوار بالمعصم. ولكن هذا السوار بدأ يتآكل نتيجة لشح المياه، والتخطيط سيئ السمعة والصيت الذي حال دون أن يحافظ على تلك الشجرة التاريخية، التي يطلق عليها أهلنا في الطفيلة اسم "العمارة"، وهي في معاجم اللغة عكس الخراب أي العمار.
بحثت في تاريخية عمر أشجار الزيتون، لأجد أن الاكتشافات الأثرية تقدر أن عُمر شجرة الزيتون يعود إلى 4200 سنة قبل الميلاد. ووجدت أن الأردن وجنوبه تحديدا قد سجل تاريخا مختلفا لتلك الشجرة، وقلب الحقائق التي تتحدث عن العام 4200 قبل الميلاد.
إذ أعلن الفريق الفرنسي الأردني للآثار أن قرية "هضيب الريح" في منطقة رم جنوب الأردن، هي "أقدم منطقة في العالم زرعت أشجار الزيتون". وقد جاء الاكتشاف باستخدام عملية تحليل الرماد في مواقد القرية التي يعود تاريخها إلى العصر النحاسي (نحو 5400 قبل الميلاد)، وعن طريق تحليل الرماد في ثلاثة مواقد في القرية، تبين استمرار الاستيطان فيها لفترة طويلة جدا تعود إلى العصور النحاسي والبرونزي والحديدي والنبطي، ما يؤكد أن تحليل الفحم في المواقد تلك هو الذي رفع الستار عن أقدم زراعة للزيتون في العالم يعود تاريخها إلى 5400 قبل الميلاد في حين كان تاريخ أقدم زراعة للزيتون في العالم يعود إلى 4200 قبل الميلاد، الأمر الذي يؤكد أن رم هي أقدم منطقة زرعت الزيتون في العالم.
وهذا الاكتشاف يعد من أهم السجلات العلمية العالمية التي تدل على النشاط الاستيطاني للإنسان في رم، الأمر الذي يضع المنطقة على قائمة المواقع التاريخية المهمة للنشاط البشري، ما يستدعي تحركا وطنيا على كل الصعد للحفاظ على تلك الشجرة، وجعلها رمزا وطنيا بامتياز، يحافظ عليه ويجعل من زيتوننا وعمائرنا قبلة للزوار من مختلف أصقاع المعمورة. وهذا بالضرورة يفضي إلى الحفاظ على المعاصر القديمة في الطفيلة وغيرها من مناطق الأردن قبل أن تهترئ أو تكب على السكراب.
على وزارة الثقافة التحرك، وفورا، للحفاظ على المعاصر القديمة، وإقامة قداس لتلك المعاصر يليق بجلال قدر تلك الأشجار العظيمة. فالأمر لا يحتاج سوى بضعة آلاف من الدنانير لنحفظ تاريخا يعود إلى آلاف السنين.

jihad.almheisen@alghad.jo

التعليق