المكرمات بين التعليم ومساعدة المحتاجين

تم نشره في الأربعاء 6 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

وقفت اليوم عند شكوى شاب أردني، يقدم امتحانات الثانوية العامة حاليا، لكنه يشعر باللاجدوى، ويظن جازماً أنه مهما يحصل على معدل في "التوجيهي" فإن المستفيدين من المكرمات التعليمية، سوف يسلبونه مقعده الجامعي. لذلك توقف عن مثابرته ودراسته، وقرر تقديم أوراق امتحان فارغة، وقال يائساً محبطاً: "مع أنني متأكد أن قراري خاطئ 100 %".
آلمتني هذه الشكوى، وأعلم أنها تؤلم بعض المعنيين، وقد توجع صنّاع القرار الذين حصلوا على مقاعدهم الجامعية بالمثابرة لا بالمكرمات، وأنها ستصل المسؤولين الذين حصلوا على بعثاتهم بالاجتهاد والتفوق وليس بالواسطات. ولذلك قمت بعمل بحثٍ سريعٍ عن المكرمات التعليمية، فوجدت أن لدينا مكرمات خاصة لكل من: أبناء المعلمين، أبناء العسكريين والمتقاعدين، أبناء العشائر ومكرمة أبناء المحافظات. ولأنني متأكد أن أبناء المحافظات حالة مستقلة، وأعلمُ أن الطالب هناك لا يحصل على كافة الامتيازات التي تمنحها العاصمة لأبنائها، من مستوى المعلمين، إلى المرافق العلمية والأدبية والصحية، كذلك المراجع، والنشاطات التفاعلية.. الخ، لذلك فاسمحوا لي أولا، أن أطالب بحل المشكلة الحقيقية لطلبة ومدارس المحافظات، بحصولهم على حزمة اهتمام ومستوى تعليمي لائق لا يقل عن الذي يقدم لأبناء العاصمة، حتى يصبحوا جزءا من منظومة "العدل والمساواة" التي سنتحدث عنها تاليا.
فكرة المكرمات التعليمية تشبه فكرة "المصطبة" التي جندوا لها حارسا يوم "صبّها" لتجف حتى لا يقوم أحد بالدوس عليها وتخريبها. وجفّت "المصطبة" وبقيت مهمة الحارس قائمة لحمايتها سنوات طويلة، أي أنها فكرة قديمة تعود إلى بواكير التعليم الجامعي في الأردن. وبغض النظر عن الأسباب التي يعرف الناس بعضها، إلا أن التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكثيرة التي طرأت على الأردن الحديث، جعلت من هذه المكرمات تبدو ظاهرة "غريبة".
ومع هذا لم تحظ "المكرمات التعليمية" بأي فرصة لإعادة النظر، وكأن المعنيين لم يلحظوا كم تبدو المكرمات قاتلة للإبداع ومعطلة لتساوي الحقوق بشكل صارخ وظالم، فلم يتقدم أحد بدراسة علمية واقتراح يقضي بإلغائها، فأصبح الوطن عندهم كالسفينة التي يمتلكونها، يتركون فيها من يحبون يعطونهم المقاعد الفاخرة ويلقون بالبقية إلى قاع المحيط.
نعلم أن البعض لن يعجبهم الحديث عن إعادة النظر في فكرة المكرمات، ولكنهم ذاتهم يطالبون اليوم بالعدل والمساواة، وأبسط قواعد العدل هو الاحتكام للدستور الذي تقول المادة السادسة فيه: "تكفل الدولة العمل والتعليم ضمن حدود إمكانياتها وتكفل الطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع الأردنيين".
المكرمات التي تذهب للمرضى والأيتام والفقراء والمنكوبين، وكذلك المكرمات التي تذهب للمحافظات والمناطق النائية في التنمية والتطوير لها شأن خاص يسمو على هذا الحديث، وعلى العكس فإننا نطالب الجميع أن يقفوا إلى جانبها ويعتبروها قدوة وانموذجا في مساعدة المحتاجين والنهوض بالمجتمع، أما المكرمات التي تقتل الإبداع وتجعل المواطن يشعر بالظلم لأن والده ليس معلما ولا عسكريا، أو أنه ليس من أبناء العشائر، فنعتقد أن إلغاءها أصبح محتما ليصحو صباح الغد كل أبناء الوطن وليجدوا أشعة الشمس تأتيهم جميعا بذات المقدار.

j.khawaldeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مع الطرح و لكن... (عمرو الخفش)

    الخميس 7 تموز / يوليو 2011.
    أشكر الأستاذ جلال على طرحه و أنا مع هذا الطرح ففيه تخفيف على الدولة من بابين:
    1- تقليل عدد الطلاب الساعين للتعليم الجامعي على حساب أشكال التعليم و مجالات العمل الأخرى.
    2- تخفيض المصاريف المترتبة على الدولة في متابعة المستفيدين.
    و لكن يحتاج قطاعي التعليم المدرسي و الجامعي إلى خطة تسهم في ايجاد اقتصاد معرفي قوي، يهتم بنوعية المعرفة لا بكمها، و يوفر لأبناء الوطن جميعا فرصا متساوية نوعيا للوصول إلى أشكال التعليم المختلفة.