أوروبا التي تحكمها النساء؟

تم نشره في الأربعاء 6 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

دومينيك مويزي

تُرى هل توشك المرأة في أوروبا على التحول إلى محرك للتغيير السياسي؟ في دوائر التنمية الاقتصادية، ومن واقع الخبرة والحس السليم، تشير الأمور إلى أن التقدم، والمساءلة، والعمل الجاد، كل ذلك يبدأ بالمرأة ويعتمد عليها. فالقروض الصغيرة، على سبيل المثال، تكون أكثر كفاءة عندما تحصل عليها وتسددها امرأة. ولعل ذلك يرجع إلى أن النساء يحملن الأطفال، ويتعيّن عليهن أن يجدن الوسيلة لإطعامهم. والآن يُنظَر إلى النساء باعتبارهن من أفضل "وكلاء التغيير"، وأكثرهم عزماً وتصميما.
ويبدو أن هذا الرأي يصدق الآن فيما يتصل بالسياسة الأوروبية، كما كانت حاله فيما يتصل بالاقتصاد في أجزاء من أفريقيا وآسيا. والواقع أن نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة في إيطاليا قد تكون بمثابة الإشارة إلى ديناميكية انتخابية ناشئة: فالنساء هن اللاتي صوتن لإخراج حزب سيلفيو برلسكوني من السلطة في ميلانو، المدينة التي سيطر عليها برلسكوني لمدة طويلة (والمقر الأصلي لقوته).
ولا يوجد ارتباط مباشر بين تلك النتيجة والفضيحة الدرامية التي وقع فيها دومينيك شتراوس-كان في نيويورك، ولكن بعد إلقاء القبض على شتراوس-كان مباشرة، شحذت النساء الإيطاليات والشباب الهمم وعبؤوا جهودهم لإلحاق الهزيمة بحزب برلسكوني (من المفارقات أن الحزب في ميلانو تتزعمه امرأة). إذ لم يعد بوسع هؤلاء الناخبين أن يتحملوا تلك التركيبة التي تتألف من الفحولة والابتذال، والتي خدمت ذات يوم الرجل الذي يطلق عليه الإيطاليون على سبيل السخرية الآن "برلوس-كان".
عندما وصل برلسكوني إلى السلطة لأول مرة قبل سبعة عشر عاما، كانت غالبية مؤيديه من النساء. ولم يثبطهن تصوره المتناقض لهن (حيث يحتفل تارة بولعهن التقليدي بالحياة المنزلية، ثم يمجد كونهن متاعاً جنسياً تارة أخرى). ولكن المجتمع الإيطالي تغير منذ ذلك الوقت: فأغلب النساء يعملن الآن، ولم يعد بوسعهن أن يتقبلن شوفينية برلسكوني الصارخة التي عفا عليها الزمن.
وربما يشفق الرجال الإيطاليون على الزعيم المسن المعزول، الذي يبدو على نحو متزايد وكأنه دمية من الشمع تحمل هيئته في متحف مدام توسو. ولكن النساء الإيطاليات (بل والنساء في كل مكان كما يبدو) لا يشعرن إلا بالغضب والخزي من ذلك الرجل المهووس بنفسه، ومن محاكماته الجنائية المتعددة ومتعه المبتذلة، إلى الحد الذي يجعله يبدو في أنظارهن وكأنه لم يتبق له هدف في الحياة ولا غرض سوى البقاء في السلطة لأطول مدة ممكنة.
والنساء لسن بمفردهن في معارضة برلسكوني بطبيعة الحال، ولكنهن نجحن في إحداث الفارق في ميلانو. والواقع أنهن يجسدن الحداثة، ويحركهن التوق إلى الكرامة والاحترام ببساطة.
وهن لسن بمفردهن في طليعة الحركة المنادية بأوروبا جديدة من أجل النساء. فبينما انحدرت أيسلندا إلى الإفلاس، بسبب السلوك غير المسؤول من جانب نخبتها السياسية والمالية التي تتألف في أغلبها من الذكور، قرر مواطنو أيسلندا أن علاج المشاكل التي تواجهها البلاد لن يتسنى إلا على يدي امرأة قوية ومسؤولة. ولهذا انتخبوا سيدة لتتولى رئاسة البلاد.
إن القدر الذي بلغته الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحالية من عمق وخطورة، في بلدان مثل اليونان والبرتغال وأسبانيا، يُعَد بمثابة فرصة جديدة للنساء. ففي مواجهة ما ينظر إليه العديد منهن باعتباره "حرباً اقتصادية"، نجد النساء وقد اضطلعن بدور متزايد الأهمية في الحفاظ على الأمن المالي لأسرهن. وكلما أصبح ذلك التوجه أكثر انتشارا، فإن المزيد من النساء سوف يسعين إلى الاضطلاع بدور سياسي يعكس ثقلهن السياسي.
لا شك أن مكانة النساء المتغيرة قد لا تترجم مباشرة إلى نفوذ سياسي متزايد. وقد لا تحذو بقية أوروبا حذو الدول الاسكندنافية أبدا، حيث قطعت المساواة بين الجنسين أشواطاً أطول كثيراً مما قطعتها في أي مكان آخر. ولكن يبدو أن هذه الديناميكية بدأت تتحرك الآن.
على نحو مماثل، وبغض النظر عن نتيجة محاكمة دومينيك شتراوس-كان في نيويورك، فإن القضية قد تشكل نقطة تحول في معاملة النساء في أوروبا. وإن المرء ليتمنى ألا يُنظَر إلى استعراض الفحولة الرجعية على المستويين العام والخاص بهذا النحو باعتباره أمراً مقبولاً بعد الآن.
في العالم العربي أيضا، من تونس إلى القاهرة، لعبت النساء الشابات دوراً بالغ الأهمية في العملية الثورية. بل إن رغبتهن في التغيير -وهي رغبة مفهومة في ضوء المعاملة التي تلقاها المرأة في تلك المجتمعات- كانت من بين الأسباب الرئيسة الكامنة وراء قوة اندفاع الثورة في تونس ومصر.
ليس المقصود من أي من هذا أن أزعم أن "النساء" يشكلن قوة عالمية من أجل التغيير الإيجابي في أوروبا ومختلف أنحاء العالم. ولنتأمل هنا على سبيل المثال حالة ماريان لوبان الرئيسة الجديدة للجبهة الوطنية الفرنسية، وإيلينا تشاوشيسكو الزوجة الدنيئة للديكتاتور الروماني السابق، أو في زمن أقرب إلى الحاضر ليلى طرابلسي، زوجة الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، التي فرت إلى دبي حاملة معها 1.5 طن من الذهب المنهوب من البنك المركزي.
المسألة ببساطة هي أن سياسة الذكر والأنثى باتت تلعب اليوم دوراً كبيرا -في أوروبا وبقية العالم- في ظل مطالبة الكثير من الناس في العديد من بلدان العالم بتغيير بعيد المدى. والسؤال الرئيس الآن هو ما إذا كان العدد المتزايد من النساء في عالم السياسة كافياً لتقديم وجهات النظر ونماذج الزعامة المختلفة التي يتوق إليها الآن العديد من الناخبين (والمحتجين).
*مؤلف كتاب "الجغرافيا السياسية للعاطفة".
خاص بـالغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق