د.أحمد جميل عزم

هل تحل الدولة الفلسطينية القضية؟

تم نشره في الثلاثاء 5 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

يقول محمد علي الخالدي في الكتاب الذي نشرته مؤسسة الدراسات الفلسطينية العام الماضي، بعنوان "تجليات الهوية: الواقع المعاش للاجئين الفلسطينيين في لبنان"، إنّ الفلسطينيين كلما اجتمعوا "سرعان ما يتحول الحديث لا إلى الشعر الوطني، والمناظر الطبيعية في الوطن، ولا إلى أصناف الطعام المألوفة، أو الأغاني المفضلة، وإنما إلى معاناتهم عند اجتياز الحدود، وإلى الحكايات عن تأشيرات الدخول التي لم تُمنح لهم، وإلى المواقف الصعبة المستعصية، التي تتضمن جوازات السفر، والوثائق الرسمية. فلكل فلسطيني (قصة تأشيرة) خاصة به، ملحمة مطولة، وافتقار الفلسطينيين إلى الوثائق هو ما يوحدهم، مثلما يوحدهم ارتباطهم بالأرض، أو التزامهم بالمقومات الوطنية الأخرى".
دون الخوض كثيرا في النظريات العلمية، فإنّ حديث الخالدي تعبيرٌ عن مدخل رئيسي لفهم الهوية الوطنية، يرى أنّ الدولة هي التعبير عنها والصانع لها. فأصحاب الهوية الواحدة يسعون للتعبيرعن أنفسهم في كيان سياسي، أو أنّ إنشاء الدول يؤدي لتوليد الهوية. وافتقار الفلسطينيين للدولة هو أحد عوامل هويتهم. وهذا هو مسوّغ فكرة الدولة الفلسطينية، على جزء من أرض فلسطين التي تبنتها منظمة التحرير الفلسطينية، والتي تجري الاستعدادات لطرحها في الأمم المتحدة قريبا. كما أنّ خطاب حركة "حماس" بات يركز على أهمية دولة في حدود 1967. وأبرز منظري هذه المدرسة عالميا هو آرنست جلنر (1925 - 1995).
في المقابل هناك مدرسة ثانية، لا تركز على الارتباط بين الدولة والهوية، بل على ما يسميه بندكت أندرسون (1936 - ) "مجتمعات متخيلة"، وهي تتعلق بكيف يرى أو يفهم الناس أنفسهم، وكيف يعتقد إنسان ما، أنّ بينه وبين إنسان آخر أشياء مشتركة تميزهم عن سواهم! ومن ذلك الإيمان بتاريخ مشترك، وأصل واحد، وبفكر مشترك، ولغة مميزة، وكذلك هناك ضريح الجندي المجهول الفارغ، أو الذي يضم رفات شخص مجهول، والعلَم الذي هو قطعة قماش، والنشيد الوطني، وكلاهما يمكن تغييره متى اتفق على ذلك، كلها روابط تُوجِد الخيال الجمعي للارتباط بهوية، وأمة، وأرضٍ بعينها. وهذا المجتمع المتخيل (والخيال هنا ليس الوهم)، هو رابطة قوية تؤدي لحركة سياسية فاعلة، ومن ضمن أهدافها الدولة، أو الحرية، إن لم تكن موجودة.
في مرحلة "أوسلو" تقدّمت فكرة الدولة كثيرا وسيطرت على المشهد باعتبارها تجسيداً للهوية الفلسطينية، ولمطالب الفلسطينيين على الصعيد الرسمي، وأصبحت هي برنامج العمل الوحيد تقريبا. ولكن شعبيا، فإنّ الرواية الفلسطينية "للفردوس المفقود" وللذاكرة الجمعية المعبّرعنها بالفن والأدب والإعلام وتناقل التاريخ شفاهةً وكتابةً بين الأجيال لم تضعف، وبقيت قوية.
يتضح يوميا أنّ الدولة الحقيقية صعبة المنال، كما أنه من غير المعروف كيف يمكن للدولة المقترحة أن تحل مشكلة شريحتين، هما فلسطينيو الشتات وفلسطينيو 48، وهم جزء أساسي من معضلة الهوية الفلسطينية.
إذا كانت الدولة الحقيقية تبدو بعيدة المنال، وإذا كانت الهوية الفلسطينية قوية، بفعل الذاكرة الجمعية المتناقلة عبر الأجيال، والمستدامة بفضل المعاناة تحت الاحتلال وفي ظروف الشتات، فإنّ الحركة الوطنية الفلسطينية، بينما تسعى لدولة على جزء من فلسطين، لديها مهمة أخرى أساسية، هي أن تسعى عبر العالم لمأسسة الهوية الفلسطينية في منظمة التحرير وهيئات وطنية جامعة. فسواء تحقق "حل الدولتين" أم لا، يجب العمل لأجل "الشعب الواحد" وتأطير حركته النضالية في مؤسسات وخطط عمل. ومن هنا أجد نفسي أؤيد ما قاله رئيس المجلس الثوري في "فتح"، أمين مقبول، حول مفاوضات الحكومة مع حركة "حماس": "إذا فشلنا في الوصول إلى صيغة مشتركة لتشكيل الحكومة، فيمكننا أن نلجأ إلى مناقشة ملفات أخرى ضمن اتفاق المصالحة"، قضية فلسطين أكبر من الحكومة، وأكبر من الدولة أيضا.

التعليق