علاء الدين أبو زينة

الصحافة، البرلمانات والناس!

تم نشره في الثلاثاء 5 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

لا عجب أن تكون الصحافة من المهن التي تتطلب ممارستها أداء يمين قانونية. وبقدر ما ينطوي إلزام الصحافي بأداء القسم على تشريف للمهنة، فإنه ينطوي أيضاً على تقييد ضميره بمسؤوليات أخلاقية وعملية، تجعل الصحافي النظيف نهباً لمختلف النوازع والتجاذبات. وقد كتبتُ مؤخراً عن الخطأ الطبّي الذي تكون حصيلته إزهاق الأرواح أحياناً، أو التسبّب بإعاقة على الأقل. وأفكر الآن في اشتراك الطبيب والصحافي في قضية القسَم، فماذا عن خطورة المهمة؟
ليست هناك في الواقع أي مقارنة بين طبيعة الضغوطات واللعنات التي يتعرض لها الأطباء وتلك التي يتعرض لها الصحافيون. والسبب الواضح هو أن طبيعة عمل الصحافي تؤثر في النزوع والتوجهات الاجتماعية، وتكون لها انعكاسات عَمليّة على علاقات المكوّنات والطبقات، ودرجات الرضى والسخط. وبسبب هذا التأثير الافتراضي، ترغب الجهات المتنفذة وصاحبة المصلحة في استعمال الصحافة لغرض تفصيل تلك النزوع والرؤى والتوجهات الاجتماعية بهيئة معينة، وبحيث تتسامح مع بقاء مصالح هذه الجهات ونفوذها.
لكنّني أفكر في بُعد عملي بالغ الخطورة، متعلق بالصحافة والجوع. والفرضية: إن المصادرة على حريّة الصحافة، تنطوي على نية ارتكاب عملية قتل جماعي منظّمة. وبالإضافة إلى ما نعرفُه عن إبعاد السلطات عدسات الصحافيين وأقلامهم عن أماكن ارتكاب المذابح، كما حدث في مذبحة الكيان الصهيوني في غزة، ويحدث في أكثر من بلد عربي مؤخراً، فإن هناك مسألة قصّ لسان الصحافة عن فَضح الفسَاد، والتكتم على السرقات والنهب، المفضية إلى تجويع الشعوب. ولنُعِد ترتيب الأطروحة:
هل التجويع شكل من أشكال القتل؟ أو هل هو شروع في القتل على الأقل؟ يتوقع المرء الإجابة بنعم، أولاً لأنّ الجوع يفضي فعلاً إلى الموت. وثانياً، لأن الجوع يعني: سوء التغذية الذي يودي بحيوات عشرات الآلاف من الناس، وموت الأطفال أثناء الولادة؛ ولأنه يرفع منسوب الجريمة والسرقة، ويفاقم من حالات التوتر والعنف الاجتماعي فيزيد حصيلة القتلى؛ ولأنه يغتال التعليم المناسب ويحيّد إمكانات الأمم والأفراد ويحرمهم الرخاء وسعة العيش؛ ولأنه يضيّق الخُلق ويهدم الأسر؛ ولأنه يقتل المخيّلة ويترك المجتمعات مهزولة، شبحية وبلا عينين، مثل جثث تمشي على أقدام.
وإذا استشهدنا بالحقيقة التي عبّر عنها كأروع ما يكون الخليفة عليّ بن أبي طالب "ما جاع فقير إلا بما مُتِّعَ به غنيّ"، فإن غنى القلة الفاحش غير المشروع ، يعني عمليّاً تجويع الكثرة، بما ينطوي عليه ذلك من التداعيات المذكورة "الشروع في القتل على الأقل". وتعني عدم مشروعية الغنى والاستئثار بالمقدرات استخدام أفراد وهيئات اعتبارية ذكاءها ونفوذها للتحايل على الناس وتجريدهم من حصصهم المشروعة، أي نهبَ المال العام. ونهبُ المال العام هو ما يُعرف بالفساد الإداري والمالي.
أما الوصفة المتداولة لمكافحة الفساد، فهي تفعيل الأدوات الرقابية على إدارة المال العام. وأخطر هذه الأدوات الرقابية المخوّلة، الصحافة والبرلمانات. ولذلك، تلجأ الأنظمة الفاسدة إلى تخريب هاتين المؤسستين بطريقتين: العصا والجزرة؛ والتزوير. وهما طريقتان متكاملتان متعالقتان. فبالعصي والجزر، يجري تدجين البرلمانات والصحافة حتى تصبح أرانب مروضة، تعمل بطريقة رد فعل "بافلوف" الانعكاسي: أضربك إذا غضبتُ، وأطعمك إذا سُررِتُ منك، حتّى ترقص لي على الحبل حين أريد. والتزوير: تفصيل برلمانات تبصم، وتزوير صحافيين يبصمون، ويشهدون زوراً تحت القسَم، بلا وازع.
وإذن، وبالقدر الذي يعني الصحافة، فإن تكميمها وإرعابها يعنيان تحييد شاهد الإثبات، وارتكاب جريمة الفساد والتجويع والشروع في القتل الجمعي بلا حسيب. أما الصحافة التي تقبل بدور شاهد الزور، أو تتورط بالتواطؤ على قتل مواطنيها بكتمان الشهادة وتزويرها، فلا تستحق أن تُشترى بقرش. وإذا كان التستّر على الجريمة جريمة، فإن تكتم الصحافة والبرلمانات على النهب المكشوف، وخيانتهما لقسمهما ودورهما الأخلاقي، يجعلهما لا أقل من شركاء جُرم.
ولكن، مَن يعاقِب مَن إذا كان الجاني هو الحكَم؟ ومن أين نبدأ؟ وكيف تَصلحُ البرلمانات والصحافة في بيئات فاسدة، يديرها مَن يقتلون الناس تجويعاً بدم بارد؟ المسألة مثل الاستدلال الدائري: "مشيناها خطى كُتبت علينا/ ومَن كُتبت عليه خطى مشاها". والحل الذي أعرفه مثالي وجَدلي المفهوم: الديمقراطية الحقيقية!

التعليق