حنان كامل الشيخ

حق العودة إلى الوطن

تم نشره في الثلاثاء 28 حزيران / يونيو 2011. 03:00 صباحاً

من في هذا الوطن يمكن أن يقدم لي خدمة جليلة... أن يصدقني القول؟ من عنده الوقت والهمة وحسن النية، ليجلسني أمامه ويخاطبني كشيء عاقل، ويقول لي الحقيقة.. يقول ما الذي يحدث بالضبط؟ من على استعداد أن يخلع قفازيه قليلا، ويريح أصابعه من نفاق ناعم، أصابع قبضته في أعز ما تملك.. رجولتها! ويبدأ في استحضار ما تبقى من عرق طيب الذكر، ورثه عن والده الحراث مع بيت فقير ودين يهد الحيل. انما لا يشبه عرقا باردا بدأ يعتاد على جبينه، الذي "كان" لا يكذب!.
من في هذا الوطن يريح دماغه من زحام التحليل والتأويل والتنجيم والتفسير، ويجرد رأسه إلا من رواية واحدة صادقة، لا تقتل أحدا الا اذا كان يستحق الموت فعلا! يقول الحق ولو على قطع رقبته، مرة ثم يركض إن شاء! يخالف أعراف القسم "الثاني"، والذي لم نشاهده على شاشة التلفزيون، ذاك الذي من دون صوت أو صورة، ذاك الذي لم يعرف به أحد الا هو و.. هو، ذاك الذي لم يحلف على كتاب ولا شرف ولا أمة؛ لأنه يخجل من حضورهم جميعا في حفل التعري قطعة قطعة، من ثوب الكرامة، لكنه سجل صلاحية وثباتا وعنادا في خانة "أغلظ الأيمان"!
من في هذا الوطن يخاف علي؟ يخاف حقا علي؛ لأنني أشبه في بعض ملامحي، واحدا من أقربائه، بسمرة لونها الشقاء، وندبات على الوجه لا يختلف على تاريخ صنعها اثنان من أولاد البلد! يخاف علي من المرض والفقر والجهل والكبت والموت من الغيظ. يخاف ألا أجد قطعة حلوى في جيبي، حين تغتالني غيبوبة سكر، من خبر لم يكن على البال ولا الخاطر، فيخيط لي جيبا تحت قبة القميص، ويملؤها بسكر النبات، ثم يواجهني بالحقيقة!
من في هذا الوطن مايزال يحفظ أبياتا من أناشيد المدارس، وتدمع عيناه رغما عن كبريائه، حين يسمعها عبر مكرفونات طابور الصباح؟ من يمتلك شجاعة لأن يشيح بوجهه عن مقاليد الأوسمة، التي ابتدعها حراسها، ويدفن رأسه عند أول حضن عجوز، يذكره بأمه ويبكي.. ويطلب منها السماح! يغسل أذنيه بماء دمعه ويسدهما ببقية من أحاديث نبوية ظلت تؤرق منامه طوال ليالي الظلمة.
من في هذا الوطن يؤمن بحق عودته إلى الوطن "الأم"، بعد غربة طويلة ومقيتة عن بلد كان اسمها الضمير، ربما جفت ربما قلت، لكنها ماتزال تحتفظ بيافطة تعلن أنها ليست للبيع وتدعو الراغبين إلى تجربة إعادة الاستصلاح!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مية مية كلامك رائع لغاية (safa)

    الثلاثاء 28 حزيران / يونيو 2011.
    نعم لقد باعوا انفسهم زظمائرهم وكل شي حي فيهم مقابل ماذا ؟؟؟؟؟ لاتدري
    واريد ان اشكر د.عبدلله عقروق على اراء رائعة
  • »عنوان التعليق (حمزة تفاحة)

    الثلاثاء 28 حزيران / يونيو 2011.
    من على استعداد أن يخلع قفازيه قليلا، ويريح أصابعه من نفاق ناعم، أصابع قبضته في أعز ما تملك.. رجولتها!

    أسئلة باسلوب مُستفِز .. وبرسم الإجابة!؟
  • »برحمة ضميرك (ماجد المدني)

    الثلاثاء 28 حزيران / يونيو 2011.
    عززني حنان اسعد الله اوقاتك . لقد ناديتي على شئ هو الان وفي هذا الزمان اصبح معطل حيث وضعت الضمائر في صناديق حديديه واحكم اغلاقها واغرقت في بحر العرب مع ابن لادن.وفي ظل غياب الضمائر فأننا نواجه اغرب الجرائم اكان فساد بكل انواعه على مستوى عالي تطور نتيجة الغياب القصري للضمائراو جرائم اخلاقيه حتى انك ترى الاخ يقوم بالاعتداء على خواته ويفرح والديه انه اصبح رجل ويتستطيع ان يحبل .وسنرى ايام قادمه اسود من قرن الخروب
  • »عنوان التعليق (سائد المغازي)

    الثلاثاء 28 حزيران / يونيو 2011.
    من أجمل ما كتبتي .....
  • »لا أخد (Imad AbuNimeh)

    الثلاثاء 28 حزيران / يونيو 2011.
    لا فض فوك يا حنان ابدعت و تجرأت لتسألي السؤال الذي لن يجيب عليه أحد
  • »عنوان التعليق (فؤاد تينه)

    الثلاثاء 28 حزيران / يونيو 2011.
    سلمت يداكي يا حنان الشيخ ... لقد باعوا ضمائرهم و تسلطوا و تجبروا علنا تحت اسم الوطن و الوطنية
  • »ولكنني لا ازال ذلك الحراث كجدودي (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الثلاثاء 28 حزيران / يونيو 2011.
    ستتفاجئين من جوابي ايتها الأديبة الشابة ..أنا عبدالله عقروق ذلك الشخص الذي رغم وصولي الى ثلاثة ارباع القرن من عمري أقول وأعترف ، ويمكنني أن أجمع مئات التواقيع التي تشهد على قولي بأنني انام النوم الهاديء كل مساء ، واستيقظ بكل نشاط وحيوية رغم عشرات الأمراض التي اعاني منها والتي أحن لوطني الأصيل الذي علمني ان اسمو بضميري ما دمت حيا ..لا ازال ذلك النشمي غير الملوث والحمدلله ..لا اكتب لدافع الكبرياء والزهو بل لآطمئن وطني وشعبي أنني زدت علما ، ولكنني لا ازال ذلك الحراث كجدودي