حنان كامل الشيخ

الحمد لله

تم نشره في الثلاثاء 21 حزيران / يونيو 2011. 03:00 صباحاً

طفلة على الجانب التركي بمحاذاة أرضها الطبيعية، تسمع أصوات المتراكضين بجانب الشيك، تطل من فتحة الخيمة البيضاء، فترى امرأة ورجلين يحملون أكياسا مهربة للخبز  ومناقيش الزعتر. تشتم الصغيرة رائحة أمها الأولى، وتركض الى الكيس تحتضن الوطن، وتخبئه بين أسنانها بقضمة واحدة!
هذه الصغيرة كانت تنظر إلينا بملل. كانت تشاهدنا وعيوننا تدمع عليها وعلى رفاقها المتعطشين لماء حنفياتهم، على بعد أمتار منهم. لم يهتموا للكاميرا وهي تتجول بين عيونهم، تلتقط لنا أحلك ذكريات المساء الجديد. يعتقدون أنهم كبروا على مشاعر الشفقة الليلية. فمهمتهم كأطفال قد توقفت، لحظة عبورهم الى الطرف الآخر...
...
صبي ينام على طرف سرير ليبي في مصراته. قرر أن يغلق أذنيه عن تكهنات مرور الثوار، وتراجع الكتائب. أقسم أنه يشبه كل الأولاد في نومه على جنبه، وبساقه المثنية الى الأمام وبفمه نصف المفتوح! هو أيضا لم يعد يهتم للكاميرا وهي لا تراعي غفوته المسروقة بين الركام. المهم أن تنتج صورة ليلية أخرى تنكد على أشباه النائمين الممسكين بالرموت كنترول، ينتظرون نهاية خبر ما ليطفئوا ويناموا. هو أيضا من حقه أن ينام بعد هذه الفرجة المجانية!
...
بنتان فلسطينيتان من بلدة أبو غوش، قررتا التحكم بالانتظار على حاجز قلنديا، فارتجلتا مسرحية قصيرة تتحدث عن أمهما المريضة بالسرطان، والتي تمكنت من الحصول على دور في الجلسات العلاجية في مستشفى هداسا في القدس. واحدة منهما تمثل دور الأم المتهالكة، والأخرى تتقمص شكل الجندية الإسرائيلية، وهي تتمعن مائة مرة في أوراق الدخول، ثم تأمرها بالجلوس ثانية على الكراسي، ومتابعة الانتظار لحين التحقق من "بعض الأمور".
أحدهم وهو من فلسطينيي أميركا، كان يستمتع بتصوير المشهد الحي "الميت"، وهما كانتا بين اللحظة والأخرى تسترقان النظر الى الكاميرا، للتأكد بأنها ماتزال مضاءة!
...
هنا صورة ثابتة لطفل "يتشعبط" على ظهر سيارة نقل للمياه، يسحب خرطوما أثقل من وزنه ثلاث مرات ويصرخ حتى يسمعه صاحب البيت المرابط على سطح العمارة: ظايل متر، بدك اياه؟
وهناك صورة لصغيرة تسحب يد أبيها العجوز كل ليلة من دوار الكيلو عبر شارع المدينة المنورة، بعد أن ملأ كيسه بعلب المشروبات الغازية الفارغة. تطبطب على رأسه كلما سنح لها الطريق وفرغ من المارة، وتسليه حتى يصلا البيت الصغير، بحكاياتهما التي ستصير حين تتخرج في الجامعة...
...
الى الاطفال العاديين... وأنتم في غمرة الشكوى من الملل الذي بدأ بعد نهاية الامتحانات بساعتين. وأنتم ترمون أمام أهليكم بإعلانات السفر الى شرم الشيخ واسطنبول. وأنتم "تتفعفلون" أمام بائع الحلوى على بوابات المولات. تذكروا أن ترددوا مع آبائكم ... الحمد لله!

hanan.alsheik@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اطفالنا ....وفلسطين (الإسم)

    الثلاثاء 21 حزيران / يونيو 2011.
    اطفالنا اكبادنا المحرومون من العيش الكريم لأن الكبار اكلوا الحصرم ، وجعلوا الصغار يضرسون ..اطفال محرومون من سبل العيش العادي ..رغم ذلك لم ييأسوا ، ولم يتسلموا ، ولم يثورون ..يرون الأشياء الطبيعية امامهم كأنهم يرون فلما من المريخ أو زحل او عطارد ..دموعهم نشفت على وجوههم ، وقلوبهم قد تحجرت ..مات كل شيء في قلبهم الصغير الآ شيء واحد هو رغم ضعف اجسادهم ، واحيانا أمراضهم فانهم بهبون كالأسود عندما يرون دبابات العدو أتية من بعيد ويلتقطون الحجارة التي كسرتهم امهاتم الى قطع صغيرة ، ويرشقون القادمين بججارتهم غير هيابين الموت .فينسون جوعهم وعطشهم وضعفهم ليعرقلون زحف الدبابات ..اولاد فلسطين اشعلوا انتفاضتين في الأراضي المحتله...فكعادتك يا اديبتنا الشابة فأنت دوما السباقة في الكتابة عن الألام الأنسانية التي يعاني منها مجتمعنا ، وعن امراضنا الاجتماعية التي كانت سببا في هزيمتنا في الأندلس ، ولا نزال نعاني منها الى يومنا هذا.
  • »أجمل ما قرأت اليوم (مها الجيلاني)

    الثلاثاء 21 حزيران / يونيو 2011.
    الحمد لله..
    فعلاً مقال الكاتبة حنان اليوم كان مليئاً بالعبر وفي وقته (على الوجع مثل ما يقول شبابنا) .."وقليلٌ من عبادي الشكور"
  • »حمد للله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه (صفاء)

    الثلاثاء 21 حزيران / يونيو 2011.
    رائعة كعادتك بمقالتك نعم حمد لله على نعمة الامان التي نراها في ربوع وطننا الغالي الحبيب
  • »طفولة ميتة ! (سائد المغازي)

    الثلاثاء 21 حزيران / يونيو 2011.
    قراءة رااااااااااائعة يا حنان الشيخ ! ليس لدي أولاد لكن الليل يمر علي عسيرا و أنا أراهم يفقدون طفولتهم على أيدي الكبار ... سلمت أناملك السحرية
  • »الحمد لله! (Jordanian)

    الثلاثاء 21 حزيران / يونيو 2011.
    الحمد لله!...الحمد لله!...الحمد لله!... في كل وقت و مع كل نفس نتنفسه ...ليت أبنائنا يعلمون معنى الحمد لله!... شكرا سيدتي و اسعد ألله صباحك.
  • »الحمد لله ألف مرة (فؤاد عز الدين صوالحة)

    الثلاثاء 21 حزيران / يونيو 2011.
    قرأت مقالتك في العمل و من لحظتها و أنا أحمد الله تعالى على نعمة الأمان و السكينة
    اللهم احفظ هذا البلد و أبعد عنه شر الدسائس و احفظ أولادنا و فرج عن أطفال فلسطين و العراق و سورية و ليبيا فلا ذنب لهم .. شكرا أختي الكاتبة
  • »سيدة الاحساس (ع.ع)

    الثلاثاء 21 حزيران / يونيو 2011.
    ..... الحمد لله أنك هنا ...
    و تكتبين
  • »ابداع (محمد منير)

    الثلاثاء 21 حزيران / يونيو 2011.
    يسلم العقل اللي بفكر والأنامل اللي بتكتب... على الرغم من أن أولادي مازالوا صغارا عن (التصرمح) أمام المولات، إلا أنني أعدك أن اقرأ عليهم مساء خاطرتك هذه، وأشرح لهم كل كلمة لا يفهمونها، وي كأني أدرسهم منهجا مدرسيا... بل هي أعظم!!
  • »الاهل ه السبب (ايمن صريف)

    الثلاثاء 21 حزيران / يونيو 2011.
    و الله اولادنا بطرانين ... ايام حب صبرا و شاتيلا كان ممنوع الواحد يشتري اواعي جديدة ..