ثورات الشعوب تغالط نخبها

تم نشره في الاثنين 20 حزيران / يونيو 2011. 03:00 صباحاً








يحفظ التاريخ لمعادلة الجوع والظلم مسؤوليتها الحصرية عن قديم ثورات الشعوب وحديثها. لم يسجل لغيرهما وقودا للثورات التي اندلعت حتى اليوم، ابتداء من ثورة عبيد روما، ومروراً بثورة أوروبا الإصلاحية على الكنيسة، والثورة الفرنسية، والثورة البلشفية، ووصولاً إلى الثورة الإسلامية في إيران، وثورات أوروبا الشرقية. وهما اليوم، الجوع والظلم، دون غيرهما ما يحركان ثورات الشعوب العربية.
لم يثبت لجهة أو نخبة يوماً رصدها المنهجي لثورات الشعوب بما يقترب من التنبؤ بها وتحديد ملامحها. كارل ماركس الذي تجرأ في القرن التاسع عشر، عبر نظريته لصراع الطبقات، على التصدي لوضع قانون للثورات الشعبية كان نصيبه من الإخفاق مدوياً عندما غالطت الثورة البلشفية في روسيا الزراعية نظريته التي افترضت قيام الثورة في دول أوروبا الصناعية.
غالباً ما كانت الثورة تأتي فتغالط كل النظريات التي تم بناؤها على مدى عقود مضت لتفسير حراك الشعوب وتأطيره، بل وتشكك في قدرات العلوم الاجتماعية على التنبؤ، وكثيراً ما كانت تكشف عن غربة النخب عن مجتمعاتها وبطلان تنظيرها. حديثاً، وفي العام 1979، وضعت ثيدا سكوشبول، المدرّسة اللامعة في جامعة هارفارد، كتابها عن الدول والثورات الاجتماعية، وأملت أن يحقق لها التثبيت في جامعتها الشهيرة لما تميز به من التزام بالقواعد العلمية والرصانة المنهجية. وقد قارنت فيه بين أشهر الثورات التاريخية، وخرجت بتفسيرات للظروف والشروط المنتجة لها، لتستنتج من ذلك استحالة تكرار تلك الظروف والشروط في عالم اليوم، وإذ بثورة إيران الإسلامية بعد أشهر تكذب ما توصلت إليه الأكاديمية المجتهدة، وتخسر بسببها التثبيت في هارفارد.
بعد انتكاسة صدقية قانون الثورات الاجتماعية في نظرية صراع الطبقات لدى ماركس، وعدم نجاح نظريات علم الاجتماع التي شيدت بعدها لتفسير الظروف والشروط المنتجة للثورات، تتدخل اليوم نظرية المؤامرة لتشير إلى دور منفرد أو حاسم على الأقل للقوى الخارجية المهيمنة في تحريك الثورات الشعبية في بعض الدول، وتسوق مثالا على ذلك ثورات دول أوروبا الشرقية نهاية القرن الماضي، كما تسوق اليوم الثورات العربية كمثال آخر.
مثقفون عرب، ليسوا بقلة للأسف، يتبنون نظرية المؤامرة، ولا يرون في الثورات العربية غير إرادة القوى الخارجية الراغبة في استبدال الانقلاب العسكري بالثورة الشعبية كوسيلة لتسليم الحكم إلى نخب موالية للغرب عبر حزمة من المنظمات التي يتم تمويلها لنشر الأفكار الليبرالية والرأسمالية في العالم الذي يسمى بغير الحر. وبنظر هؤلاء المثقفين، فقد لعب الـ"فيسبوك" عاملاً محركاً حاسماً بيد تلك المنظمات لإنجاح حركات الشعوب العربية في مهمتها لإسقاط الأنظمة الحاكمة، فاق بقدراته الاتصالية تفاعلات مجمل تراكمات الحراك الشعبي عبر عقود عديدة. وهي إن كانت لا تمتلك القدرة الكافية على مزاعمها بارتهان الثورات العربية للخارج، فهي أقل قدرة على إقناع أحد بأن الـ"فيسبوك" قد حرك الأرياف في كل من تونس ومصر واليمن وهي بالكاد تعرف هذه التكنولوجيا.
أمام الانبهار بجبروت قوى النفوذ الغربية والاستسلام لنظرية المؤامرة، لم يعد بعض المثقفين العرب يقدرون روح الشعوب وحكمتها وتفاعلات معادلة الجوع والظلم الداخلية والخارجية ودروس التاريخ، فيقفزون عنها ليسجلوا العامل الحاسم في الثورات العربية ملكية كاملة أو شبه كاملة لقوى الاستكبار وأدواتها الاتصالية الحديثة، التي لا تزيد عن كونها إما قد تفاجأت بالكامل بهذه الثورات، أو لحقت بها لتقطع عليها طريق استكمال مهامها بعد أن رأتها تتمرد على كل مخططاتها ودكتاتوريات حلفائها من الأنظمة الحاكمة.

التعليق