منار الرشواني

شرف الخيانة!

تم نشره في السبت 18 حزيران / يونيو 2011. 02:00 صباحاً

لا يملك أصحاب المواقف المزدوجة من الثورات العربية إلا أحد خيارين لتبرير انتقالهم من الفرح الهستيري بالموجة الأولى من هذه الثورات إلى تخوين الموجة الثانية، بل وحتى ثورات الموجة الأولى بأثر رجعي. فهؤلاء إما أنهم متكسّبون بمبادئ ادعوا ويدعون الدفاع عنها، ولذلك فقد قرروا دوسها بل وبيعها عند أول تعارض مع مكاسبهم الشخصية؛ أو أنهم كانوا، بافتراض أقصى درجات حسن النية، غارقين في جهل وانفصال عن الواقع، فلا يعرفون شيئاً عن معاناة شعوب يفترض أنها الأقرب إليهم، ولطالما تغنوا بها وبانتمائها للقضايا العربية والإسلامية. بهذين التبريرين فقط يغدو مفهوماً وحتى مقبولاً تماماً تحول شعوب كاملة وملايين "البشر"، لدى قوميين عروبيين وإسلاميين، إلى كتل من الخونة والعملاء الذين لا يستحقون أقل من الموت جماعياً.
يؤكد ذلك، وليس ينتقص منه أبداً، ورقة التوت الأخيرة التي يتشبث بها الناطقون باسم العروبة والإسلام، بأن مواقفهم الدنسة من حق الإنسان العربي أينما كان، تبررها غاية التصدي للمشاريع الإمبريالية الأميركية-الصهيونية التي تستهدف الأمة. فالمعنى الوحيد، والوحيد فقط، لهذه المقولة هو، مرة أخرى، تخوين الشعوب جماعياً، واغتيالها معنوياً تمهيداً لذبحها مادياً/ جسدياً، من "حقيقة!" أن هذه الشعوب ستخضع تلقائياً للمشروع الإمبريالي الأميركي-الصهيوني في حال نجاح ثوراتها وحصولها على حقوقها، بل هي تحركت بتوجيه الإمبريالي، الذي يغدو من وجهة نظر حتى إسلاميين في هذه الحالة، إلهاً كلي القدرة طالما هو قادر على تسيير شعوب من المحيط إلى الخليج في وقت واحد!
ارتباطاً بما سبق، يقترح مغتالو الشعوب، وتعبيراً عن شفقة القادر وتسامحه، وحقناً لدماء الخونة، أن يكون الحل بفترة انتقالية تحمل مسمى "الإصلاح" الذي يحتاج بدوره إلى تحديد لمعناه! فهل يعقل أن يكون هو ذاته الإصلاح الذي طالبت به الشعوب "الخائنة"؟ وإن كان كذلك، فأي ضمانات ترجوها الشعوب من قوميين وإسلاميين عجزوا طوال عقود، فرادى وجماعات، عن إطلاق سجين سياسي عربي واحد، فكيف بتغيير سياسة كاملة دموية أو نهابة للموارد؟ هي، إذن، فترة انتقالية لهداية الشعوب الخائنة إلى حين إعادتها إلى جادة صواب "الخنوع وارتضاء الإذلال".
لكن حين تكون الخيانة نقيض الخنوع والإذلال، هل يبقى من مجال للحيرة والتردد في الاختيار؟ وحين تترافق الخيانة مع أول مسيرة تعبر الحدود إلى الأراضي المحتلة، هل يبقى من مجال للتشكيك في الشرف والأمل اللذين تعنيهما الخيانة التي تحملها الشعوب العربية؟!
هو شرف وأيما شرف خيانة قيود الذل والخوف والطغيان.. وشرف وأيما شرف خيانة الأمة من خانوها فعلاً لعقود ودنسوا اسم العروبة والإسلام.

manar.rachwani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عنوان التعليق (بشار)

    السبت 18 حزيران / يونيو 2011.
    ما أروع ما قرأت فعلا هذا شيئ يجول في خاطري, هؤلاء المتقلبين في سوريا وليبيا واليمن لا يستحقون حتى الاشارة الى اسمائهم.
  • »نحــن أو هــم! (خالــد الشحــام)

    السبت 18 حزيران / يونيو 2011.
    شكرا لك سيد منار للمقال العميق ، سؤالنا المحوري الذي يعود إلى أصل الحكاية هو عن ماذا يدافع هؤلاء وعصاباتهم ؟ في الحقيقة الإجابة كانت أبسط بكثير من كل الطرق الملتوية التي فكرنا بها ، إنهم يدافعون فقط عن أنفسهم بمعنى أن كل هذه الديكورات الضخمة بحجم الدولة كانت لتغطية نزوات لصوصية وأنانية مفرطة ينتهي مطافها في صغير فرد واحد تألفت حوله عصابة مثله ، في سبيل تلك النزوات القزمة يمكن اطلاق أكاذيب فلكية من مثل الاستعانة بالدفاع عن القضية الفلسطينية ويمكن في أحيان اخرى الاستعانة بالدفاع عن القومية العربية وأحيانا أخرى حماية دولة اسرائيل ويمكن أحيانا التمسك بفضائل أبعد تأثيرا ، ضمن تلك الحقيقة الواضحة التي يبنى عليها الحكم العربي أتي السؤال الثاني : ما هي المواصفات التي يجب أن يكون عليها حال المواطن العربي لبقاء تلك النماذج من الحكم الرشيد دون المساس بمدة صلاحيتها أو عرقلة ابديتها ؟ الجواب هو مواطن يفكر في الحزمة الأولى من المتطلبات العضوية والحيايتة التي تشترك فيها كامل منظومة الثدييات ، بتعبير آخر مواطن يفكر في ارتفاع الاسعار وطعامه وسيارته واثراء رصيده ودوامة التعليم والصحة والسكن الأزلية ، وبمعنى أخر هو في عزلة عن مركز صناعة القرار أو التفاعل معه إلا من خلال الحزمة الأولى التي لا تغير من الحال شيئا ، الحزورة الثالثة التي تولدت من رحم السؤالين السابقين : ماذا يفعل اولئك إذا تبين أن الشعوب استيقظت وتبين أنها أكثر انسانية مما ظنوا ؟ الجواب أتى بمثل سذاجة السؤال : إما نحن أو هم !
  • »اين ابناء سوريا في الخارج من ثورتهم (علي محمد)

    السبت 18 حزيران / يونيو 2011.
    الا ترى يا استاذ منار ان موقف السوريين في الخارج في تضامنهم مع ابناء شعبهم موقف ضعيف ولا يعبر عن حجم الكتلة البشرية في المهجر؟ فمثلا الحراك الذي نشاهده في الاردن لا يرقى الى مستوى الوجود السوري في البلد، فلماذا لا ينتصر من جرب المرارة في الامس لمن يذوق المرارة اليوم؟ ام ان مجموعة منهم وللاسف كما سمعت منهم بات يقول انه على الناس ان تجرب ما جربنا في الثمانينات من القرن الماض؟ السوري في الخارج هو المسؤول اليوم اكثر من غيره على توضيح ما يجري في البلد، ولا اعتقد ان وجود بعض عشرات من الاشخاص امام السفارة السورية في عمان او القاهرة يمكن ان يكون موازي لمقدار القتل والدمار الحاصل اليوم في سوريا، على السوري في الخارج أن يتخلص من عقدة الخوف التي تخلص منها السوري في الداخل، وان يشكل وسيلة ضغط على المنظمات الدولية وحكومات العالم لتوقف حمام الدم في سوريا، بدل اكتفاء اغلبهم بالمشاهدة وممارسة فئة قليلة منهم التضامن على طريقة "السيران الشامي" وقفة ساعتين وراجعين عالبيت.