عيسى الشعيبي

نكستان في ذكرى يوم النكسة

تم نشره في الأحد 12 حزيران / يونيو 2011. 03:00 صباحاً











رغم كثافة الدلالات الرمزية الباذخة لمسيرات إحياء ذكرى النكبة في الخامس عشر من أيار الماضي، وحماسة كثير من الكتاب والمعلقين المفرطة لتلك المشاهد التي تنتسب بالمصاهرة إلى ربيع الثورات العربية، لم أجد لديّ ما يكفي من الدافعية الداخلية للانخراط في حملة التقريظ والتهليل لهذه الظاهرة غير المسبوقة، وإقامة صرح من الآمال على رمال ذلك الحراك الشعبي النبيل في مقاصده.
فقد طفت على سطح الذاكرة الغضة في حينه التصريحات التي كان قد ربط فيها السيد رامي مخلوف، أحد أركان النظام السوري، بين استقرار الأمن في بلاده وبين اسقرار صحة البقرة المقدسة في اسرائيل. وتكاثرت في الوقت ذاته الأسئلة عن مغزى كسر حالة الصمت المديد على جبهة الجولان في هذه الأونة التي تتركز فيها الأضواء والاهتمامات، خصوصا في أيام الجمع، على الحراك الشعبي المتعاظم في الديار السورية.
ولما كان من غير الحكمة السباحة عكس موجة عارمة من العواطف المنفعلة بتلك الصور المشتهاة حقا، لأحفاد لاجئي العام 1948 وهم يدقون أبواب القلعة الحصينة بقبضات أيديهم العارية، فقد آثرت في حينه الاستجابة لارتياباتي الذاتية، والابتعاد بالنفس عن جوقة المنشدين بالزي الموحد لهذه السابقة غير المسبوقة في تاريخ الصراع الطويل، وذلك بفعل الشكوك بأغراض بعض الجهات الواقفة وراء هذه المسيرات البريئة.
حينها صدحت الحناجر وعلت على كثير من المنابر، الوعود والافتراضات والبشائر القائلة أن مسيرات يوم النكبة ما هي الا بروفات تمهيدية لمسيرات مليونية من المقرر اجراؤها بعد أيام قليلة في ذكرى يوم النكسة.  فلما أزفت الساعة واشرأبت الأعناق وتقاطرت قنوات البث الفضائي الى مواقع الحشد والاحتكاكات السابقة، بدت المشاهد المنقولة من عين المكان مخيبة للتوقعات، حتى لا نقول بائسة، بالقياس حتى الى ما كانت عليه ما قبل أقل من ثلاثة أسابيع ماضية.
وليت الأمر توقف عند حدود فشل فعاليات يوم النكسة في إعادة إنتاج المشاهد يوم ذكرى النكبة، واكتفى المتعهدون من الباطن بتوظيف هذه المسيرات لمصالح جزئية تخص النظام المتخبط في دماء شعبه وأحابيل إعلامه، عند عتبة إراقة دم غزير بلا طائل، بل تعداه الى ما هو أدهى من ذلك، حين أمطر أشاوس القيادة العامة صدور المشيعين في مخيم اليرموك بوابل من رصاص الممانعة، إمعانا منهم في محاولة عبثية لإنتاج صور منافسة لفعل أسيادهم في حماة وجسر الشغور.
 كل ما في الأمر أن ذوي الشهداء الذين سفح دم أبنائهم على أيدي الذئاب المتوحشة عند مجدل شمس، اكتشفوا الخديعة وأحسوا بوطأة الفاجعة، حين رأوا قادة الفصائل الدمشقية ترفع صور القائد العام لقوات الشبيحة وتهتف بحياته وسط الجنازة المهيبة، فازدادوا فجيعة فوق فجيعة، مما حملهم على رشق المتملقين بالحجارة، ومنعهم من القاء الخطابات العرمرمية، فجاء الرد بوحشية تضاهي وحشية نظام الممانعة وتحاكي استخفافه المروع بالحياة الآدمية.
وحتى عندما أراد هؤلاء القتلة تسويغ استباحة دماء آباء الشهداء بهذه الخساسة، راحوا يستعيرون من قاموس الإعلام السوري الهابط المفردات ذاتها حول الجهات الخارجية والعصابات المندسة، ويخيطون بالمسلة الصدئة ذاتها حكايات غير مسلية عن عصابة في رام الله وأمراء في السعودية، وتناسوا لفرط المفاجأة أن يضيفوا الى القائمة - على غرار جهابذة الإعلام السوري - أسماء الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ سعد الحريري والسيد رجب طيب أردوغان وغيرهم من المتآمرين على جبهة المقاومة والممانعة.
وهكذا فان التداعيات السلبية الواسعة لواقعة اليرموك غير الخالدة وقبلها موقعة مجدل شمس المجانية، قبرت مع الأسف، والى أجل غير معلوم، فكرة مسيرات العودة المليونية ومنحت دول الطوق مزيدا من المشروعية لمنع مثل هذه المسيرات مستقبلا، تماما على نحو ما قامت به بالفعل في يوم النكسة، وشاركتها في ذلك السلطة الوطنية في الضفة الغربية وحكومة حماس في قطاع غزة، فيما شذت عن هذه القاعدة دولة الممانعة المأزومة، فحصدنا معها نكستين يوم النكسة.

Issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق