موقف إنساني لا انتخابي يا رابطة الكتاب

تم نشره في الخميس 9 حزيران / يونيو 2011. 02:00 صباحاً

هي لحظة نعيش توهجها. لحظة استثنائية في تاريخ إنتاج الوعي والحوار والموقف، لا يمكن للمثقف الحقيقي، أو العضوي وفق غرامشي، إلا أن يكون مشاركا فيها، سواء قال كلمته ومضى، أو شارك بفعل، أو صمت.
وفي كل الأحوال، فإن موقف المثقف أيا كان، هو الذي ستنبني عليه علاقته مع نفسه ومع محيطه لاحقا، وفيه ستتكشف قدرته على تلمس الحقيقة، وفهمه للواقع وإدراكه لمقتضيات اللحظة، ومكنته من أن يمتلك رئتين قادرتين على استنشاق الهواء النظيف.
هذا ما ساقته "معركة كسر العظم" على حد تعبير "فيسبوكي"، نهش في لحم سجال دار حول موقف رابطة الكتاب الأردنيين، حول ما يجري في سورية من مذابح على يد نظام طغى واستكبر منذ العام 1963، وبقي محافظا على صيغة مموهة لموهبته الخارقة في إظهار ممانعته ومقاومته للعدو الإسرائيلي.
النهش على ما يبدو، اكتمل بصوره العجيبة، حين أصدرت مجموعة مثقفين ومثقفات أعضاء في الرابطة، بيانا دانوا فيه مقتلة اللانظام في سورية بحق الشعب هناك. كان البيان مفعما بما تواتر من مآلم حول ذبح الطفل حمزة الخطيب. وللحقيقة، صدمت، بكيت بما يكفي لأن أتخيل مقتلة حمزة واقعة على ابن لي وعلى أبناء غيري، وانتظرت موقفا واضحا من الرابطة حول ذلك، لكن لا حياة لمن تنادي.
لم يكن مطلوبا من الرابطة أكثر من الانحياز للإنسان. الإنسان الذي نقضي زمننا الإبداعي من أجله وفي فضائه. الإنسان الذي نمجد معناه ووجوده. فمقتلة حمزة التي تناسلت من مقاتل إخوته في كل أرجاء سورية، كانت حرية بحك وعي مثقفين وجدوا أنفسهم جالسين في بقعة الوهم الممانع. كان عليهم أن يتفحصوا المشهد السوري برمته، لإدراك حقيقة مَن قتل مَن، ولِمَ، والدواعي التي تجعل نظاما يدعي أنه مقاوم، قاتلا لأبناء شعب، يقول إنه شعبه.
موقعو البيان الذي قيل إنه جاء في زمن انتخابات الرابطة لشرخها عاموديا، على حد تعبير بعض رافضيه، لم يكن في بالهم إلا مسألة واحدة، هي الوقوف في مواجهة مشهد دموي لا يمكن قبوله، حتى لو كان فاعله صلاح الدين الأيوبي، فكيف بنظام نعرف تاريخه جيدا؟
كنا نأمل أن يستقبل البيان من قبل رافضيه بلغة تنأى بنفسها عن تخوين موقّعيه، أو اتهامهم بشرخ الرابطة. لغة تقبل بالآخر، وتحترمه، ولا تنظر إليه باستعلاء، ولا تضعه في خانة المُدان، لأنه يقف إلى جانب الشعب السوري، لا إلى جانب اللانظام في سورية، ويقف إلى جانب ما تحكيه صور الحقيقة المتواترة عبر شاشات مهربة من داخل الوجع الشعبي السوري، لا من داخل دوائر الأمن هناك.
لم نكن ننتظر من الإخوة رافضي البيان، سوى التأمل في الحالة التي تعيشها المنطقة، وعدم قبول ما يمكن أن يحدث في بلد عربي على أنه ثورة، وفي أخرى على أنه عمالة واندساس. وسورية، والشعب السوري وحمزة الخطيب، ليسوا مندسين، إنهم سوريون، أرادوا الكرامة والحرية فقط، فهل من حق المقاومة والممانعة أن تمحق رغبة كهذه؟ ألا تُحرر الأوطان بالحرية والكرامة؟

ghazi.altheebh@alghad.jo

التعليق