الهيكلة والدمج بين السياسة وحقوق الأفراد

تم نشره في الأربعاء 8 حزيران / يونيو 2011. 02:00 صباحاً

كل متابع للساحة السياسية في بلادنا خلال السنوات الأخيرة كان يجد نقدا سياسيا دائما من قوى سياسية مختلفة، في الوسط والمعارضة، والإعلام ومجالس النواب، لتزايد أعداد المؤسسات والهيئات المستقلة، والتي تزايدت موازناتها وأصبحت مصدرا لزيادة عجز الموازنة. وكان بندا أساسيا من النقد أنها مدخل للواسطة والمحسوبية؛ فالانتقال من وزارة إلى هيئة مستقلة كان يعني تضاعف الراتب والامتيازات، وبالتالي راتب التقاعد.
وكان من يتبنى نقد تزايد هذه المؤسسات ينطلق من منطلق رفضه لليبرالية الاقتصادية، وأن وجود عشرات المؤسسات المستقلة يعني تفكيكا للدولة وإضعافا لولاية الحكومة، أي إن رفض فكرة الهيئات والمؤسسات المستقلة كان ينطلق من أبواب السياسة ومحاربة الفساد، والحرص على شكل الدولة وولاية الحكومة.
وعملية دمج المؤسسات المستقلة أو إلغاء بعضها كانت على جدول أعمال الحكومة السابقة، وكانت جزءا من الخطاب الذي ينحاز إلى المطالب الشعبية والسياسية. وعندما كان يتم طرح هذا الأمر، كان في سياق خطاب سياسي. ولهذا، فحتى الحكومة الحالية عندما أعلنت برنامج الهيكلة قدمته في وعاء سياسي، وأنه مشروع لإعادة الولاية للحكومة قبل أن تقدمه على أنه هيكلة رواتب.
ومن المفهوم والطبيعي أن يغضب الموظف الذي كان يعمل في مؤسسة مستقلة لأنه سيفقد وضعا ماليا وإداريا خاصا كان يتمتع به. ومن الطبيعي أن نجد العاملين في بعض هذه المؤسسات يعتصمون ويعترضون لأن وضعهم المالي سيتغير. لكن ما هو غير طبيعي أن تكون بعض الجهات التي كانت تنتقد تكاثر الهيئات والمؤسسات المستقلة، وتتخذ من خلال هذا النقد موقفا سياسيا، بل وترى وجود الهيئات مدخلا للفساد والمحسوبية، من الغريب أن تجد هذا البعض من الجهات يتخذ موقفا سلبيا من المشروع، ويتخلى عن كل خطابه السابق انحيازا لاعتبارات لا يمكن اعتبارها مقنعة أمام المبررات السياسية والوطنية ومحاربة الليبرالية والفساد، والتي كانت تظهر في البيانات والتصريحات وعلى شاشات وميكروفونات الإعلام.
مرة أخرى، نفهم جميعا غضب أي موظف في أي هيئة لأنه سيفقد دخلا شهريا خاصا كان يتمتع به، لكن القوى السياسية وشبه السياسية لا يجوز أن تغادر كل تلك المبادئ والمواقف التي كانت تتخذها تجاه تكاثر الهيئات المستقلة لأنها لا تريد أن تخسر بعض الأطراف، وربما كانت وما تزال الحاجة ماسة إلى مواقف تتعامل مع المنطق السياسي والإصلاحي للمشروع، وفي ذات الوقت تبحث عن حلول تلغي الطبقية في الرواتب بين موظفي الحكومة المتناثرين بين نظام الخدمة المدنية والمؤسسات المستقلة، مع البحث عن الوسائل التي تجعل الدولة تستفيد من فكرة الهيئات المستقلة، لكن من دون إسراف أو تبذير في عددها وعدد موظفيها، وبحيث لا تكون مدخلا لأي فساد أو محسوبية.
في كثير من قضايانا، بدلا من الانحياز إلى المواقف والخنادق نحتاج إلى الحوار للوصول إلى حلول لمشكلاتنا أو لمعالجة أي ظاهرة سلبية مع معالجة الآثار الجانبية. لكن تحقيق الأهداف الكبرى من إصلاح ومحاربة فساد وإنصاف للمظلوم أمور لا يجوز أن نتركها تحت ضغط انحياز لأي اعتبار.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق