مصائر سوداء: بين القذافي وصالح

تم نشره في السبت 4 حزيران / يونيو 2011. 03:00 صباحاً

مؤديات الثورة الليبية، تكشف عن عمق الهوة التي أنتجت خلال فترة حكم القذافي بينه وبين شعبه. كان خروجه من حقبة الاستعمار الإيطالي، محمولا على نضالات مريرة، تذهب باتجاه الحرية والاستقلال. وبغتة، ومن دون مقدمات تحتمي بفكرة الشعب عن حريته، خطف القذافي مصير بلد، سقط منه آلاف الشهداء من أجل الحرية، وهرب بهذا البلد إلى أتون التخلف والرجعية طيلة أربعة عقود.
بيد أن مثل هذا المؤدى الذي ارتكز في تداعياته على استخدام مساحيق التجميل السلطوية المعروفة، واستخدام القومية والوحدة وفلسطين كمُسكن لظلم الزعيم الأوحد، لم يقنع جيلا جديدا من الليبيين، محتميا برؤية جديدة للحياة، بأن زعيمه الأبدي يمكنه أن يكون ملائما لحياة مختلفة، يتطلعون إليها.
على جانب مقابل، وعند الحافة الجنوبية للجزيرة العربية، بدا علي عبدالله صالح، متمثلا الهيئة القذافية. صحيح أنه يحتل صفحة من صفحات كاتالوج الزعامات العربية، ويتشابه في كثير من صفاته مع غير القذافي، لامتلاكه صفات تخرجه في أحيان عديدة عن "فورمات" الكاتالوج لشكل الزعامة العربية، الذي يمثله مبارك وزين العابدين.
صالح في خطاباته وتداعيات مراوغاته يبدو كقادم من كوكب آخر، يعيش في بلد، يظهره للعالم وكأنه ليس اليمن. فتعاطيه مع الثورة السلمية الأكثر إدهاشا في تاريخ الثورات العربية المعاصرة، الثورة التي تمتلك السلاح ولم تستخدمه حتى الساعة، محمل دائما بالمكائد والمصائب، ومشحون بخدائع لا يقدم عليها زعيم يحترم نفسه، ويقدرها، وفق ادعائه بأنه ينحو باتجاه الدستور وتطبيقات القانون في المطالب الشعبية الداعية إلى تنحيه جملة وتفصيلا.
ففي أكثر من مبادرة قدمت من قبل دول الخليج العربي، لإنهاء حالة الثورة التي تشل اليمن، لتنحية صالح الذي تسبب بإبقاء اليمن بدائيا، كان هذا الزعيم يمارس كل ما من شأنه الالتواء على تلك المبادرات، ويقود دفة اعتناقه للسلطة، تحت ذريعة إما أنا أو الطوفان.
إنه حاكم من طراز غريب، صحيح أن التشابه بينه وبين القذافي يلتزم، بقدرة كل منهما على ممارسة شهوته للدم، وأيهما أكثر ولوغا فيه، إلا أن صالح يعيد البلاد ذات الوضع البدائي إلى ما قبل البدائية، لما يقوم به من ممارسات، نهايتها تحتم أن يكون مصيره أسود، كمصير زميله القذافي، الذي ما يزال مصرا على عدم معرفته بشعبه حتى بعد أربعة عقود، كما كان يسأل في خطابه الكاريكاتوري "من أنتم؟".
صالح لم يسأل شعبه من أنتم، ولكنه أظهر عدم معرفته بشعبه قيد أنملة. إنه يراوغ، ليس من باب الحنكة بل من باب الجهل، معتقدا أنه يعرف شعبه، لكن ابن الستة عشر عاما الذي تدرج في مناصبه العسكرية، حتى غدا على ما هو عليه اليوم، ما يزال يمارس خداعه ومناوراته ليحصل على رتبة تالية في معسكره، رغم تعثر لسانه في الإتيان بجملة واحدة صحيحة لغويا، أو قول جملة واحدة صادقة، ذلك لأنه ما يزال يفكر بذهنية جندي يلهث وراء رتبة.
إنه يقود اليمن إلى مصير أسود، لكن قبل ذلك، يقود نفسه إلى هذا المصير، وليس بعيدا عن مثله، من اعتبر شعبه جرذا، لكنه في نهاية الأمر غدا هو عينه يمارس الألعاب الجرذانية، بتخفيه واختبائه وجبنه في الاعتراف بحق شعبه في حياة أفضل من الحياة التي كان هو يمسك بأنفاسها.

ghazi.altheebh@alghad.jo

التعليق