زيف ادعاء المقاومة أمام الثورة العربية

تم نشره في الثلاثاء 31 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

لم يعد منطقيا رؤية كميات الدم النازفة من الجسد العربي، من دون أن يطرف جفن للذين كانوا ذات مساء قاتم، يلوحون لنا بعيدا عن حدود فلسطين، ببنادقهم، ويعرضون تجاربهم المقاومة للعدو الصهيوني، ببذخ جيفاري، لا يشبه في أي شيء قبعة جيفارا.
فبينما ظلت فكرة المقاومة متوهجة، مسكونة برغبة شعبية عارمة في التحقق، أضحت اليوم، مسكونة بالخوف على طهارتها ونبلها ومضيها نحو اللامعنى، أمام انحياز وتشكيك هؤلاء المقاومين الاستعراضيين، بأنهار الدم في اليمن وسورية وليبيا وغيرها من مرابض الثورة العربية.
لم تكن ثورة الشعوب على الطغيان السلطوي العربي ترفا، ولا انجرارا وراء شرق أوسط جديد صنعته أميركا والصهيونية العالمية في مطابخها، فجسد البوعزيزي الذي اشتعل في سيدي بوزيد، لم يتلق الأمر من باراك أوباما ليطلق شرارة الثورة في تونس، وتهشيم جسد خالد سعيد لم يستأذن نتنياهو في إطلاق ثورة "25 يناير" في مصر، وضحايا القمع العربي لم يكونوا على اتصال مع الغرب ليعلنوا مطالباتهم بالحرية.
وحتى حين أضحت الثورة فعلا يوميا للعربي، حتى في البلدان الناطقة بالخوف والصمت والترقب، فإن إيقاع الأنفاس اللاهثة لاستقبال حالة انتصار الحرية في بلدان تشتعل فيها الأجساد من دون أي أوامر من خارج الحدود، يقدم نموذجا حيويا على اندفاعة شعوبنا نحو خلق فضاءات مقاومة فعلية، وليست استعراضية، بعيدة عن التنظير أو الفذلكة.
وفي اللحظة التي تشير فيها إحداثيات الثورات نحو اقتراب ساعات الحسم، واستعادة الروح العربية النهضوية، تلك التي ناضل أسلافنا طويلا لإنضاجها، يغدو الخيار الوحيد الباقي لمن يكيلون لهذه الثورات التشكيك، ويزجون بها في أتون مؤامرات غربية تريد تقسيم المنطقة واستلابها بطريقة جديدة، هو التوقف عن ترهاتهم، وتمكين عقولهم المسطحة من قراءة الزمن بروح تشبه قراءة أجيال الشباب العرب الجدد لمعنى الحرية التي يفتحون صدورهم أمام الرصاص لإنتاجها.
نعم، لم يعد ممكنا النظر إلى مذبحة تعز، ومجازر مصراطة، ومقابر درعا الجماعية، على أنها تكليف رسمي لمندسين متآمرين على الأمة من خارج الحدود، فالدم العربي لم يكذب يوما في اندفاعته نحو الحرية، والدم العربي الذي حملت جيناته التوق للتحرر من المستعمرين، وما تزال تتغنى بفلسطين حرة عربية، لم يكن في يوم من الأيام كاذبا وهو يراق في الحروب مع الأعداء.
من يمتلكون ذرة إيمان بالمقاومة، ولا يتخفون وراء قبعات المناضلين الحقيقيين، أمامهم فرصة أخيرة، ليفهموا ومن دون تشكيك، أن ما يحدث في الوطن العربي، هو الحلم الذي تنبني عليه نهضة الأمة، وحريتها، واستعادة فلسطين، وخلاص العربي من القمع والسجون والسلطات المافياوية.
ولعل صورة حمزة الخطيب، الطفل، ممزقا منتزعا من طفولته تحت تعذيب أجهزة القمع السورية، تفتح مستوى جديدا لقراءة مسار الثورة العربية الجديدة، وهي تعيد تشكيل وعي جيل، مدّعو المقاومة ليسوا منه، وإذا أرادوا الانضمام إليه، عليهم أن يتخلصوا من وسخ عقلية المؤامرة على المنادين بالحرية.

التعليق