التخلص من القنابل

تم نشره في الاثنين 30 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

جاريث ايفانز*

أحد الجوانب غير المريحة للجدل الحاصل حاليا على نطاق العالم، هو أن التهديد الذي يشكله 23 ألف سلاح نووي على العالم -وأولئك الذين يصنعون المزيد من تلك الأسلحة أو أولئك الراغبون في استخدامها- يلعب دورا هامشيا في السياسة.
لقد لفت الرئيس الأميركي باراك أوباما انتباه العالم عندما ألقى كلمة في براغ في العام 2009، قدم فيها حججا قوية من أجل إثبات أهمية التوصل إلى عالم خال من الأسلحة النووية. وقد قام أوباما فعليا بالتوصل إلى معاهدة جديدة وكبيرة للحد من الأسلحة مع روسيا، كما قام باستضافة قمة تهدف إلى الحد من إمكانية تعرض الأسلحة النووية والمواد النووية للسرقة أو للتحويل.
لكن القضايا النووية ما تزال لا تحظى بصدى وأهمية سياسية. فأي شخص يراهن على قيام مجلس الشيوخ الأميركي في أي وقت قريب بالمصادقة على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية لا بد وأن يكون مقامرا شجاعا.
إن فيلم الحقيقة المزعجة فاز بإحدى جوائز الأوسكار، ونتج عنه فوز آل غور بجائزة نوبل. كما كان هناك اهتمام عالمي كبير بالتأثير الكارثي للتغير المناخي. لكن الفيلم الوثائقي "العد التنازلي إلى الصفر" هو أيضا فيلم وثائقي قوي أنتجه نفس فريق الإنتاج، ويتحدث بوضوح عن كيف اقترب العالم ولمرات عديدة من كارثة نووية، هذا الفيلم مر مرور الكرام من دون أن يترك أي أثر.
إن الشعور الخادع بالرضا عادة ما يتفوق على الشعور بالقلق في كل مكان تقريبا. وكارثة فوكوشيما باليابان نتج عنها جدل كبير يتعلق بسلامة الطاقة النووية ولكن ليس الأسلحة النووية. ويظهر أن الخوف من محرقة نووية قد انتهى بانتهاء الحرب الباردة.
يبدو أن هيروشيما وناغازاكي قد وقعتا قبل زمن بعيد. فقد نشأت دول نووية جديدة من دون أن ينتهي العالم، كما لم يشكل أي جهاز نووي إرهابي تهديدا لأي مدينة كبيرة، ويبدو أن امتلاك الأسلحة النووية بالنسبة للدول التي تملك مثل تلك الأسلحة مصدر للراحة والفخر بدلا من أن يكون مصدرا للقلق أو الإحراج. إن الجيل الحالي من القادة السياسيين، مع استثناءات قليلة، يظهرون اهتماما بسيطا في نزع السلاح أو منع الانتشار، كما أن شعوبهم لا تضغط عليهم للتصرف بطريقة مغايرة.
هناك قليل من الناس الذين عملوا من أجل جعل العالم يتخلص من هذا الشعور الخادع بالرضا. أكثر من أربعة أشخاص يعتبرون من أقوى الواقعيين الذين تولوا مناصب عامة، وهم وزيري الخارجية الأميركية السابقين هنري كيسنجر وجورج شولتز ووزير الدفاع الأميركي السابق ويليام بيري وعضو مجلس الشيوخ سام نان. لقد قام هؤلاء، في سلسلة من المقالات خلال السنوات الخمس الماضية، بإطلاق جرس الإنذار من أجل التحذير من أن مخاطر الأسلحة النووية هي أكبر من أي استفادة محتملة ضمن البيئة الأمنية الحالية. كما قام هؤلاء أيضا بالدعوة إلى إعادة التفكير بشكل كامل باستراتيجية الردع من أجل التقليل من الاعتماد على أكثر الأسلحة التي تم اختراعها تدميرا وأقلها تمييزا، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى إزالتها.
لقد عقدت "مجموعة الأربعة" قبل أيام في لندن اجتماعا خاصا مع كبار الباحثين من مراكز الدراسات بالإضافة إلى حوالي 30 وزير خارجية ودفاع وجنرالات وسفراء سابقين من أرجاء العالم، ممن يشاطرونهم خوفهم والتزامهم. لكن كان معدل أعمارنا أكثر من 65 عاماً. وقد وصف وزير الدفاع البريطاني السابق ديس براون حدود فعالية المجتمعين بشكل جيد حيث قال: "الأشخاص الذين كانوا مهمين يريدون بحق أن يعالجوا هذه القضية. إن المشكلة هي أن الأشخاص المهمين حاليا لا يريدون عمل ذلك".
لا يوجد حل سريع لهذه القضية. وجعل الرسائل التي تمخضت عن اجتماع لندن جزءا من الضمير الشعبي والسياسي سوف تكون عملية بطيئة وصعبة. لكن الرسائل تحتاج إلى أن تجلب الانتباه، وببساطة يجب علينا الاستمرار في المحاولة.
إن أول رسالة هي أن التهديد الذي تشكله كارثة أسلحة نووية ما يزال حقيقيا بشكل يثير المخاوف. فالمخزونات الحالية الموجودة في العالم لديها تأثير مدمر يعادل 150 ألف قنبلة هيروشيما. وفي التعامل مع تلك المخزونات هناك إمكانية قائمة لحدوث خطأ بشري أو خطأ في النظام أو سوء الحكم تحت الضغط.
إن موضوع باكستان ضد الهند هو صراع مدمر ممكن الحدوث. كما أن كوريا الشمالية وإيران ما تزالان من مصادر القلق المتقلبة. نحن نعرف أن المجموعات الإرهابية لديها القدرة على صنع الأجهزة النووية ويمكن أن تفجرها في أي مكان تريده، ونحن ليس بإمكاننا أن نمنعهم إلى الأبد من الحصول على المادة الانشطارية التي يحتاجونها كوقود لتلك الأجهزة.
إن الرسالة الثانية هي أن عقيدة الردع النووية للحرب الباردة ليست ذات صلة في عالمنا اليوم، وكلما بقيت الأسلحة النووية كلما تمكنت الدول من تبرير الإبقاء على الحد الأدنى من قدرة الردع النووي. لكن بالإمكان عمل ذلك من دون أن تكون الأسلحة في حالة التأهب القصوى، ومع تخفيض الترسانات بشكل كبير في حالة الولايات المتحدة وروسيا، وعلى أسوأ تقدير الإبقاء على المستويات الحالية فيما يتعلق بالدول النووية الأخرى.
إن الرسالة الثالثة هي أنه لو أرادت القوى النووية الحالية فعلا منع الآخرين من الانضمام لناديها، فإنه ليس بإمكانها الاستمرار في تبرير امتلاك أسلحة نووية كوسيلة لحماية نفسها أو لحلفائها ضد أسلحة الدمار الشامل الأخرى، وخاصة الأسلحة البيولوجية أو الأسلحة التقليدية. إن أصعب قضية تعيق التحرك الجاد تجاه نزع السلاح -مثلا في قضية باكستان ضد الهند وروسيا والصين ضد الولايات المتحدة الأميركية- هي قضية انعدام التوازن في الأسلحة التقليدية، علما أن أساليب التعامل مع تلك المسألة يجب أن تكون على قمة أولويات برنامج العمل السياسي.
إن الرسالة الأخيرة هي أن التغيير التدريجي والشعارات لن تحل شيئا. إن نزع السلاح النووي وعدم الانتشار ومكافحة الإرهاب وخفض خطر الطاقة النووية للأغراض المدنية، مرتبطة بشكل غير قابل للانفصام، وهي تتطلب التزاما مستداما ببرنامج عمل شامل وحجج مفصلة. ومن غير المحتمل أن تؤدي الكلمات المختصرة الرنانة ورسائل "التويتر" إلى الخلاص النووي.
إن كيسنجر هو رمز مثالي، ومن المفيد دائما الاستماع إليه، وخاصة عندما يتكلم عن السؤال الذي بقي يردده لسنوات، وهو: عندما تحصل الكارثة القادمة المتعلقة بالأسلحة النووية، وهي سوف تحصل بالتأكيد، سوف يتوجب على العالم أن يتعامل معها بشكل دراماتيكي. فلماذا لا نبدأ الآن؟


*وزير خارجية أسترالي سابق.
خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق