أميركا: صورة تلمع وتحترق في الشرق الأوسط

تم نشره في السبت 28 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

جاءت أميركا للشرق الأوسط بوجوه عدة؛ مرة بداعي الخطر السوفيتي ومكافحة الحضور الشيوعي، وأخرى بحجة الاستقرار في المنطقة، بعد أن ساهمت بإغراء الرئيس صدام حسين بالقيام بحربين كانت نتائجهما كارثية، وبين الحربين كانت تمنح إسرائيل مبررا لاجتياح بيروت. ومرة أخرى جاءت بدايات التسعينيات من القرن المنصرم على قارب السلام العادل المنشود للشرق الأوسط.
ستة عشر وزير خارجية أميركيا مروا على المنطقة منذ جاء فوستر دالس العام 1952 بمشروع أيزنهاور المشابه لمشروع بوش الابن، وكان بينهم هنري كسينجر الذي أكد مرارا أن لا فلسطين خارج إسرائيل، مسابقا بذلك غولدا مائير. ثم هناك وارن كريستوفر الذي زار المنطقة 26 مرة يلملم بقايا مسارات السلام التي كان هيغ أول من حاول دفعها. ولم تشهد الدبلوماسية الأميركية أكثر من مادلين أولبرايت العجوز في حقدها اليهودي القديم، المقرون بالرغبة في تحقيق إنجاز أميركي في المنطقة، لكن كونداليزا رايس هي الأكثر حضورا في جولات إحلال الديمقراطية، وإن لم تترك أثرا وقورا مثل جميس بيكر الذي تحول بعد إنهاء مهمته إلى مبعوث سلام أميركي في مسألة الصحراء المغربية. أما "دين رسك" فقد أقام مطولاً في الخارجية الأميركية، وكان حاضرا في التفاصيل الأكثر حرجا في تاريخ المنطقة في حقبة ما قبل النكسة وما بعدها (1961-1969).
وليام روجرز كثف حضوره في المنطقة بين العامين 1969 و1973، وقدم مبادرة روجرز لحل الصراع العربي-الإسرائيلي، لكن إنجازه لم يصل إلى ما وصل إليه كيسنجر مهندس "كامب ديفيد" العام 1978. في حين أن جورج شولتز كان المبادر للدعوة لحل الدولتين بين العامين 1982 و1989، لكنه كرئيس لجامعة شيكاغو وكرجل اقتصاد حذر، لم يترك أثرا يذكر لا في الديمقراطية ولا في السلام الأميركي.
وزير آخر هو ادموند موسكي حضر بفاعلية في الشرق الأوسط، إذ قاد موقف إدارة كارتر من مبيعات الأسلحة الأميركية لإيران ضد العراق، وكان يميل لإسرائيل كي لا ينتصر العراق، وهندس صفقات طائرات الفانتوم الإسرائيلية لإيران، التي قدمت تسهيلات لهجرة يهودها آنذاك عبر أفغانستان ثم استراليا فإسرائيل.
كولن باول جاء في زمن نشر الديمقراطية، ومع أنه اكتسب خبرة عسكرية في حرب الخليج الثانية، إلا أن عقدة الأصل الجمايكي ظلت تلازمه. ثم تحطمت مصداقيته أمام كذبة أسلحة العراق للدمار الشامل التي أعطت مبررا للحرب، وفي النهاية أقصي بفعل فريق بوش نفسه الذي تكون من رجال عصابات وحروب وشركات أمنية.
في الشرق الأوسط سقطت مصداقية وزراء خارجية الإمبراطورية، مع أنها ظلت المنطقة التي كانت ترف منها عيون الرؤساء باعتبارها بوابة الدخول للبيت الأبيض، والنجاح فيها قد يؤهل للبقاء ثانية.
معادلة الحضور الأميركي في الشرق الأوسط، تجلت في مبدأي السلام والديمقرطية، وهي سياسة لا تخفق إلا باللامتوقع وهو الثورات الانقلابية، فيوم وقع العراق مع تركيا "حلف بغداد" في 25/2/1955 لمدة خمس سنوات، وانضمت إليهما بريطانيا وباكستان وإيران في العام نفسه، لم يتوقع دلاس أن تصاب سياسته بنكسة بعد ثورة 1958 في العراق. وفي مصر، كان مشروع السد العالي في أسوان من أولى اهتمامات الرئيس جمال عبدالناصر، وكانت مصر تنتظر دعما مالياً أميركياً لإقامته، ولكن قبول عبدالناصر عرض الأسلحة السوفيتية الحديثة، أثار غضب دلاس، فأعلن في 19/7/1956 أن الولايات المتحدة قد سحبت عرضها بتمويل السد العالي، ما دفع القيادة المصرية إلى تأميم شركة قناة السويس في 26/7/1956 لتمويل السد العالي من عائداتها، وهو الأمر الذي أدى إلى العدوان الثلاثي.
وفي أواخر العام 1956، عرض دلاس على الرئيس الأميركي مشروعاً عرف باسم "مبدأ أيزنهاور" يتلخص في حق التدخل في حالة هجوم شيوعي، وإعطاء معونة اقتصادية للبلاد العربية التي تقبل هذا المشروع الذي أقره الكونغرس فعلاً.
اليوم يتكرر المشهد، أوباما يدعم التحول نحو ديمقراطية موالية وناعمة، ديمقراطية بالمقاس الأميركي، لأن الديمقراطية الثورية خطر عليها. وكما أن السلام يمكن نعيه بعد خطاب نتنياهو في الكونغرس، فإن على العرب أن يدركوا أن الوعد الأميركي انتهى وتحطم، وأن إحلال الديمقراطية عبر نخب تابعة ومرتهنة وعبر الفيسبوك ليس هو الحل الذي سيدخل الشعوب بوابة التسجيل في نادي الامبراطورية.

التعليق