د.أحمد جميل عزم

من "عائد إلى حيفا" إلى "شارون وحماتي"

تم نشره في الجمعة 27 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

1994
كنتُ في "مقهى ثقافي" في شارع وصفي التل، بعمّان، أودعُ صديقي، رجل الأعمال الناجح، الذي سينتقل في اليوم التالي للعمل "شرطيّاً" في السلطة الناشئة في فلسطين. كان يعيش حلم رؤية بلده للمرة الأولى، وكان برفقته عائدٌ آخر، عرّفني عليه مقاتلا قديما، انتقل من بيروت إلى عواصم مختلفة. يومها كان خصوم "أوسلو" يسخرون من الاتفاق بجملتهم الشهيرة "الريحة ولا العدم". سألتُه: هل أريحا طموحك الذي قاتلت لأجله وأنت ابن حيفا؟ قال "الريحة ولا العدم". وأضاف: "أريحا أقرب إلى حيفا، وسأسير "خطوة بعد خطوة"، حتى أصلها".
1995
صبيحة يوم جمعة، يتصل بي صديق مهندس مبكّرا جدا: "أخ أحمد أتّصلُ للوداع، حصلت على تصريح زيارة لفلسطين، وأنا عائد نهائيا، ومتوجه إلى الجسر الآن". لمُته لأنه لم يخبرني لأودعه، فقال: جاء التصريح أمس ليلا! سرت فيّ قشعريرة، وقلت له: وتغادر الآن نهائيّا؟ قال نعم. تمنيتُ له حظا طيبا، وتساءلت: ألا يستحق "دمعتين ووردة"؟
1996
في مقهى في رام الله، أجلس إلى صديقي (المهندس)، الذي يضحك ويخبرني أنّه لا يخرج من المنطقة (أ) الخاضعة لسيطرة السلطة، فتصريح الزيارة انتهى، وإذا ضبطه الاحتلال سيبعده. كان موظفا حكوميّا صباحا، ويدرس الرياضيات في معهد مساءً، يدرّس المعوزين مجانا، ويعتبر ذلك إسهاماً بالعمل الوطني.
1998
في كتابها "شارون وحماتي" الذي ترجم إلى 16 لغة، تقول سعاد العامري أنها عاشت طويلا مع شعور عدم مسامحة أهلها لأنهم لجأوا من فلسطين العام 1948، وفي العام 1981 قامت بكثير من المجازفات والمغامرات لتعود إلى فلسطين. وتقول إنّها فهمت العام 2001 اضطرار أهلها للجوء، عندما احتل الجيش الإسرائيلي بيتها. أصبحت العامري سياسية بارزة، ومهندسة معمارية لديها جوائز دولية، وقد بهرت العالم مؤخراً في مؤتمر روت فيه بألق شعورها بعد سن الستين، بأنّ مؤشرها التصاعدي كإنسانة يرتفع (ربما لأنّ حياتها بدأت قبل 30 عاماً فقط؟!).
15 أيار (مايو) 2011
تبدو الصور الملونة للشباب الذين ساروا إلى شمال فلسطين، شبيهة بصور اللجوء الرمادية العام 1948، ولكن في اتجاه معاكس! الأحفاد يعودون، بحيوية من الطريق التي قطعها الأجداد بمهانة، والمخطط تكرار المحاولة لتصبح مسيرات عودة حقيقية.
2011 (ب)
صديقي المهندس لديه الآن أبناء و"هويّات"، وقبل شهور، تلقى عرض عمل مغريا في الخليج، استغرق الأمر ساعات ليقول: "لا، شاورت الأسرة الصغيرة، ونحن باقون".
وبعد،
قبيل مسيرات العودة بأيام، أعلنت تقارير عن 140 ألف شخص سحبت إسرائيل هويّاتهم بين العامين 1967 و1994، ومنعت عودتهم للضفة الغربية، من خلال نظام يطبق على الفلسطيني إذا بقي خارج بلده 3 سنوات، وهو ما يزال مطبقا في القدس. والواقع أنّ الفلسطينيين انتزعوا منذ ذلك الوقت عودة نحو ضعف هذا العدد، ولكن هذه التقارير مناسبة لفتح ملف عودة هؤلاء. وهنا لا بد من الإشارة أنّه بينما تجري عمليات تهويد مسعورة في القدس، فإنّه بين العامين 1976 و2006 فاق عدد اليهود الذين تركوا المدينة من جاؤوها. في 27 عاماً من أصل 29، وبين العامين 1990 و2005، غادرها 240 ألف يهودي، وارتفعت نسبة الفلسطينيين من 25.8 % العام 1967 إلى 36 % العام 2009، من دون أن يقلل هذا من مشكلة تركز الاستيطان في القدس الشرقية، ومعاناة الفلسطينيين هناك.
من غسان كنفاني الذي كتب"عائدٌ إلى حيفا"، مرورا بتوفيق زيّاد الذي كتب "هنا باقون، كأننا عشرون مستحيل، في اللد، والرملة، والجليل، هنا.. على صدوركم، باقون كالجدار، وفي حلوقكم، كقطعة الزجاج"، إلى سعاد العامري، الإجابة: "باقون-عائدون".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اثبطت كل المؤامرات (تامر نظمي الاطرش)

    السبت 28 أيار / مايو 2011.
    العملية النضالية ليس شعارا واا ما مورست بصلابة الاسلوب الجديد فستنتصر ، شكرا جزيلا لهذه الكلمات التي وجدت مستقرا في القلب والعقل ، اقدر قلمك د. احمد
  • »رائعة (نسرين صلاح)

    الجمعة 27 أيار / مايو 2011.
    من يقرأ مقالاتك السياسية لا يصدق أنك تكتب عن فلسطين بكل هذه الرومنسية وأنا أتابع مقالاتك دائما في الغد ولكن يوم الجمعة أبحث عن مقالك قبل أن أقرأ أي خبر وهي من أجمل المقالات
    العودة هي حلم كل فلسطيني وكل فلسطيني سيفعلها على طريقته حتى نعود جميعا جماعات وفرادى في مسيرات أو تصريح أو حتى تسلل ، لن نتنازل عن حقنا في العودة مهما قتلونا ومهما شردونا
  • »باقون .. عائدون (نورا جبران)

    الجمعة 27 أيار / مايو 2011.
    سأبقى أبحث عن نفسي في حكايا العائدين .. وأقلب صور الرحلة الأولى التي حظيت بها إلى الوطن.. وسأبقى أطرق أبواب العودة إلى أن أعود، وإلى أن يعلم كل العالم بأن العودة هاجس الفلسطينين مهما غربتهم المنافي، ومهما أخذتهم بلاد الآخرين.. وسيبقى هاجس عودتنا كابوسا يقض مضاجع الغاصبين.. صخرة على صدورهم.. وقطعة زجاج في حلوقهم.. ما دام فينا النبض وما دمنا نتنفس زعتر فلسطين وحنّونها.. ويسري في أرواحنا جلال هيبتها ..